فهرس الكتاب

الصفحة 979 من 2760

صلى الله عليه وسلم:"كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أن الله هداني فيكون له شكرًا وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لو أن الله هداني فيكون له حسرة"ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون، أي بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة"قالوا ولا أنت يا رسول الله قال:"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".

{وَنَادَىَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ أَصْحَابَ النّارِ أن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتّم مّا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أن لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ الّذِينَ يَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالاَخِرَةِ كَافِرُونَ}

يخبر تعالى بما يخاطب به أهل النار على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم {أن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبّنَا حَقًّا} أن ههنا مفسرة للقول المحذوف وقد للتحقيق أي قالوا لهم {قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتّم مّا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ} كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال وكذلك تقرعهم الملائكة يقولون لهم: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وكذلك قرّع رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى القليب يوم بدر فنادى:"يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رؤوسهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، وقال عمر: يا رسول الله تخاطب قومًا قد جيفوا ؟ فقال:"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا"."

وقوله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} أي أعلم معلم ونادى مناد {أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} أي مستقرة عليهم ثم وصفهم بقوله: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا} أي يصدون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها أحد {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون أي جاحدون مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا فهم شر الناس أقوالًا وأعمالًا.

{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنّةِ أن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النّارِ قَالُواْ رَبّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ}

لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبه أن بين الجنة والنار حجابًا وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير: وهو السور الذي قال الله تعالى فيه: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} وهو الأعراف. الذي قال الله تعالى فيه: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ} ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} وهو السور وهو الأعراف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت