فهرس الكتاب

الصفحة 1016 من 1215

تَعَالَى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهَدًى لِلنَّاسِ ، فَقَدْ بُيِّنَ لِمَنْ عَقَلَ وَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ أَنَّ ( جَعَلَ ) فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى ( خَلَقَ ) ، وَ ( جَعَلَ ) أَيْضًا بِمَعْنَى ( خَلَقَ ) ، وَأَنَّ قَوْلَهُ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا هُوَ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى ( خَلَقَ ) . فَبِأَيِّ حُجَّةٍ وفِي أَيِّ لُغَةٍ زَعَمَ الْجَهْمِيُّ أَنَّ كُلَّ ( جَعَلَ ) عَلَى مَعْنَى ( خَلَقَ ) ؟ أَلَمْ يَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِيْنَ ؟ أَفَتَرَى الْجَهْمِيَّ يَظُنُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً إِنَّمَا يُرِيدُ: أَنْ نَخْلُقَهُمْ أَئِمَّةً ؟ أَفَتُرَاهُ يَخْلُقُهُمْ خَلْقًا آخَرَ بَعْدَ خَلْقِهِمُ الْأَوَّلِ ؟ فَهَلْ يَكُونُ مَعْنَى ( الْجَعْلِ ) هَاهُنَا مَعْنَى ( الْخَلْقِ ) ؟ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا لَا يَعْنِي: ثُمَّ خَلَقْنَا لَهُ جَهَنَّمَ ، لِأَنَّ جَهَنَّمَ قَدْ تَقَدَّمَ خَلْقُهَا ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا تُخْلَقُ حِينَ يَفْعَلُ الْعَبْدُ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ جُعِلَتْ دَارَهُ وَمَسْكَنَهُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ خَلْقُهَا . وَقَالَ تَعَالَى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ، وَقَالَ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، وَقَالَ: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ وَقَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، يَعْنِي: بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَفَيَظُنُّ الْجَهْمِيُّ الْمُلْحِدُ أَنَّمَا أَرَادَ: إِنَّمَا خُلِقَ السَّبْتُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ فَقَدْ عَلِمَ الْعُقَلَاءُ أَنَّ السَّبْتَ مَخْلُوقٌ فِي مُبْتَدَأِ الْخَلْقِ قَبْلَ كَوْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَبْلَ نُوحٍ ، وَقَبْلَ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا جُعِلَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَسْبِتُوا السَّبْتَ خَاصَّةً ، فَهَذَا عَلَى غَيْرِ مَعْنَى ( خَلَقَ ) ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّ مِنَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ، وَأَنْزَلَهُ عَرَبِيًّا لِتَفْقَهَ الْعَرَبُ ، وَلِتُتَّخَذَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَلَمْ يُرِدْ عَرَبِيًّا فِي أَصْلِهِ وَلَا نَسَبِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَرَبِيًّا فِي قِرَاءَتِهِ . وَمِنْ أَوْضَحِ الْبَيَانِ مِنْ تَفْرِيقِ اللَّهِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت