فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 1215

المبحث الثالث والعشرون

تسليط الظلمة على الظلمة

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (129) سورة الأنعام

كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالظَّالِمِينَ ، نُسَلِّطُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَنُهْلِكُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، وَنَنْتَقِمُ مِنْ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ .

وَقَالَ الأَعْمَشُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ( إذَا فَسَدَ النَّاسُ أَمَرَ اللهُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ ، وَذَلِكَ أنَّ المُلُوكَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الأُمَمِ الجَاهِلَةِ تَصَرُّفَ الرُّعَاةِ فِي الأَغْنَامِ السَّائِمَةِ ) [1]

وقال الرازي:"الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين ، فالله تعالى يسلط عليهم ظالمًا مثلهم فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم وأيضًا الآية تدل على أنه لا بد في الخلق من أمير وحاكم ، لأنه تعالى إذا كان لا يخلي أهل الظلم من أمير ظالم ، فبأن لا يخلي أهل الصلاح من أمير يحملهم على زيادة الصلاح كان أولى . قال علي رضي الله عنه: لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر ، فأنكروا قوله: أو جائر فقال: نعم يؤمن السبيل ، ويمكن من إقامة الصلوات ، وحج البيت . وروي أن أبا ذر سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة ، فقال له: « إنك ضعيف وإنها أمانة وهي في القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها » وعن مالك بن دينار: جاء في بعض كتب الله تعالى أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة لا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك لكن توبوا إلى أعطفهم عليكم ."

أما قوله { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } فالمعنى نولي بعض الظالمين بعضًا بسبب كون ذلك البعض مكتسبًا للظلم ، والمراد منه ما بينا أن الجنسية علة للضم ." [2] "

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 919)

(2) - تفسير الرازي - (6 / 483)

وفي الظلال:"إنه يتناول طبيعة الولاء بين الشياطين من الإنس والجن عامة .فإن الظالمين - وهم الذين يشركون بالله في صورة من الصور - يتجمع بعضهم إلى بعض في مواجهة الحق والهدى؛ ويعين بعضهم بعضا في عداء كل نبي والمؤمنين به . إنهم فضلا على أنهم من طينة واحدة - مهما اختلفت الأشكال - هم كذلك أصحاب مصلحة واحدة ، تقوم على اغتصاب حق الربوبية على الناس ، كما تقوم على الانطلاق مع الهوى بلا قيد من حاكمية الله ."

ونحن نراهم في كل زمان كتلة واحدة يساند بعضهم بعضا - على ما بينهم من خلافات وصراع على المصالح - إذا كانت المعركة مع دين الله ومع أولياء الله . . فبحكم ما بينهم من اتفاق في الطينة ، واتفاق في الهدف يقوم ذلك الولاء . . وبحكم ما يكسبون من الشر والإثم تتفق مصائرهم في الآخرة على نحو ما رأينا في المشهد المعروض!

وإننا لنشهد في هذه الفترة - ومنذ قرون كثيرة - تجمعا ضخما لشياطين الإنس من الصليبيين والصهيونيين والوثنيين والشيوعيين - على اختلاف هذه المعسكرات فيما بينها - ولكنه تجمع موجه إلى الإسلام ، وإلى سحق طلائع حركات البعث الإسلامي في الأرض كلها .

وهو تجمع رهيب فعلا ، تجتمع له خبرة عشرات القرون في حرب الإسلام ، مع القوى المادية والثقافية ، مع الأجهزة المسخرة في المنطقة ذاتها للعمل وفق أهداف ذلك التجمع وخططه الشيطانية الماكرة . . وهو تجمع يتجلى فيه قول الله سبحانه: { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } . . كما ينطبق عليه تطمين الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم: { ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } ولكن هذا التطمين يقتضي أن تكون هناك العصبة المؤمنة التي تسير على قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلم أنها تقوم مقامه في هذه المعركة المشبوبة على هذا الدين ، وعلى المؤمنين .".في ظلال القرآن - (3 / 147) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت