فهرس الكتاب

الصفحة 1020 من 1215

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ . فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا نَفْسَ لَهُ ، فَقَدْ أَكْذَبَكَ الْقُرْآنُ وَرَدَّ عَلَيْكَ قَوْلَكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، وَقَالَ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ، وَقَالَ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ، وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ عِيسَى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ . فَقَدْ عَلِمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ حَقٌّ ، وَمَا قَالَهُ فِيهِ حَقٌّ ، وَأَنَّ لِلَّهِ نَفْسًا ، وَأَنَّ نَفْسَهُ لَا تَمُوتُ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ لَا تَدْخُلُ فِي هَذَا نَفْسُ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ كَلَامُهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمَخْلُوقِ ، كَمَا تَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنَ الْأَنْفُسِ الَّتِي تَمُوتُ ، وَقَدْ فَهِمَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ ، وَنَفَسَ اللَّهِ ، وَعَمَلَ اللَّهِ ، وَقُدْرَةَ اللَّهِ ، وَعِزَّةَ اللَّهِ ، وَسُلْطَانَ اللَّهِ ، وَعَظَمَةَ اللَّهِ ، وَحِلْمَ اللَّهِ ، وَعَفْوَ اللَّهِ ، وَرِفْقَ اللَّهِ ، وَكُلَّ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ ، وَأَنَّهَا كُلَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّهَا صِفَاتُ الْخَالِقِ وَمِنَ الْخَالِقِ ، فَلَيْسَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، لَا كَلَامُهُ ، وَلَا عِزَّتُهُ ، وَلَا قُدْرَتُهُ ، وَلَا سُلْطَانُهُ ، وَلَا عَظَمَتُهُ ، وَلَا جُودُهُ ، وَلَا كَرَمُهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ بِقَوْلِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهًا وَاحِدًا ، وَهَذِهِ صِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِهِ ، أَزَلِيَّةٌ بِأَزَلِيَّتِهِ ، دَائِمَةٌ بِدَوَامِهِ ، بَاقِيَةٌ بِبَقَائِهِ ، لَمْ يَخْلُ رَبُّنَا مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَ الْجَهْمِيُّ صِفَاتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إِبْطَالَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ اعْتِقَادُهُ فِي إِثْبَاتِ الْإِيمَانِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ آنِيَّتَهُ لِيَكُونَ بِذَلِكَ مُبَايِنًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ صَانِعًا . الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَ وَحْدَانِيَّتَهُ ، لِيَكُونَ مُبَايِنًا بِذَلِكَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالصَّانِعِ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَهُ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَسَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُقَرِّبُهُ وَيُوَحِّدُهُ بِالْقَوْلِ الْمُطْلَقِ قَدْ يُلْحِدُ فِي صِفَاتِهِ ، فَيَكُونُ إِلْحَادُهُ فِي صِفَاتِهِ قَادِحًا فِي تَوْحِيدِهِ ، وَلِأَنَّا نَجِدُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَاطَبَ عِبَادَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَالْإِيمَانِ بِهَا ، فَأَمَّا دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِآنِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ ، فَلَسْنَا نَذْكُرُ هَذَا هَاهُنَا لِطُولِهِ وَسَعَةِ الْكَلَامِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْجَهْمِيَّ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ الْإِقْرَارَ بِهِمَا وَإِنْ كَانَ جَحْدُهُ لِلصِّفَاتِ قَدْ أَبْطَلَ دَعْوَاهُ لَهُمَا . وَأَمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت