وَأَحْضَرَ بِشْرَ بْنَ غِيَاثٍ الْمِرِّيسِيَّ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَحَبُّوا أَنْ تَجْتَمِعَا وَتَتَنَاظَرَا ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِي فَأَصِّلَا فِيمَا بَيْنَكُمَا أَصْلًا إِنِ اخْتَلَفْتُمَا فِي فَرْعٍ رَجَعْتُمَا إِلَى الْأَصْلِ ، فَإِنِ انْقُضِي فِيمَا بَيْنَكُمَا أَمْرُهُ إِلَّا كَانَتْ لَكُمَا عَوْدَةٌ . قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ:"قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي رَجُلٌ لَمْ يَسْمَعْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَلَامِي قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ ، وَقَدْ سَمِعَ كَلَامَ بِشْرٍ وَدَارَ فِي مَسَامِعِهِ ، فَصَارَ دَقِيقُ كَلَامِهِ جَلِيلًا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَفِي بَعْضِ كَلَامِي دِقَّةٌ ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَأُقَدِّمُ مِنْ كَلَامِي شَيْئًا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَدِقُّ عَلَى سَامِعِهَا وَلَا تُغْبِي إِذَا طَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ قَالَ: وَنَزَّهْتُهُ أَنْ أُوَاجِهَهُ بِهَا"فَقَالَ: قُلْ يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ . قَالَ:"قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ مَنْ أَلْحَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَاحِدًا أَوْ زَائِدًا ، لَمْ يُنَاظَرْ بِالتَّأْوِيلِ وَلَا بِالتَّفْسِيرِ وَلَا بِالْحَدِيثِ"قَالَ: فَبِمَ يُنَاظَرُ ؟ قُلْتُ لَهُ:"بِالتَّنْزِيلِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ"وَقَالَ: إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ، وَقَالَ لِلْيَهُودِ حِينَ ادَّعَتْ تَحْرِيمَ أَشْيَاءَ لَمْ يُحَرِّمْهَا: قُلْ فَأَتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّأْوِيلُ وَالتَّفْسِيرُ لِمَنْ قَرَأَ التَّنْزِيلَ ، فَأَمَّا مَنْ أَلْحَدَ فِي تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ وَخَالَفَهُ ، لَمْ يُنَاظَرْ بِتَأْوِيلِهِ وَلَا بِالْحَدِيثِ . قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ:"فَقَالَ الْمَأْمُونُ: أَوْ يُخَالِفُكَ فِي التَّنْزِيلِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، يُخَالِفُنِي فِي التَّنْزِيلِ ، أَوْ لَيَتْرُكَنَّ قَوْلَهُ"قَالَ: فَقَالَ: سَلْهُ . قُلْتُ لَهُ:"يَا بِشْرُ مَا حُجَّتُكَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ ؟ انْظُرْ أَحَدَّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِكَ فَارْمِنِي بِهِ ، وَلَا تَكُنْ بِكَ حَاجَةٌ إِلَى مُعَاوَدَةٍ"، فَقَالَ: قَوْلُهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . قَالَ:"فَقُلْتُ لِلْمَأْمُونِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ أَخَذَ بِمِكْيَالٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ بِهِ"فَقَالَ لِي: ذَاكَ يَلْزَمُهُ . فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَرُ ؟ فَقَالَ لِي: لَا . قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عِلْمِ اللَّهِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ ، فَقَالَ: فِي الْبَقَرَةِ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ ، وَقَالَ فِي النِّسَاءِ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ، وَقَالَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ، وَقَالَ فِي فَاطِرَ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ،