وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ مَسْرُوقٍ وَالشَّعْبِيِّ , وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ ذَمَّ الرَّأْيَ , بِدَلِيلِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ إِجَازَتِهِ وَتَصْحِيحِ الْعَمَلِ بِهِ وَقَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ صَحِيحٌ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ , فَقَاسَ لِيَدْفَعَ بِقِيَاسِهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ نَصًّا , فَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ , فَجَعَلَ قُوَّةَ النَّارِ عَلَى الطِّينِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْأَضْعَفَ حُكْمُهُ أَنْ يَخْضَعَ لِلْأَقْوَى , وَأَنَّ آدَمَ أَوْلَى بِالسُّجُودِ لَهُ , فَوَضَعَ الْقِيَاسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ , فَكَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا , لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ وَمُفَارَقَةِ الدَّلَالَةِ وَأَمَّا قَوْلُ دَاوُدَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِيَاسِ , إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ , وَكُلُّ حُكْمٍ قَدْ تَنَاوَلَهُ النَّصُّ عِنْدَنَا فَالْجَوَابُ عَنْهُ , أَنَّا نَعْلَمُ خَطَأَ هَذَا الْقَوْلِ ضَرُورَةً , لِوُجُودِنَا أَحْكَامًا كَثِيرَةً لَا نَصَّ فِيهَا فَإِنْ قَالَ: اذْكُرْ بَعْضَهَا قِيلَ لَهُ: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا , وَلَا نَصَّ فِيهِ , وَإِنَّمَا قَيْسَ عَلَى مَنْ نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا , وَقَتْلُ الزُّنْبُورِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ , وَإِنَّمَا قَيْسَ عَلَى الْعَقْرَبِ , وَإِذَا مَاتَ سِنُّورٌ فِي السَّمْنِ , لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ , وَإِنَّمَا قَيْسَ عَلَى الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَثِيرٌ وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْغَامِضَةُ , فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَيَطُولُ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ , عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ , أَنْ يَكُونَ النَّصُّ مَعْدُومًا , وَإِنَّمَا مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ صَحَّ الْقِيَاسُ , مَعَ وُجُودِ النَّصِّ , وَمَعَ عَدَمِهِ [1] وعَنْ عُرْوَةَ قَالَ حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزَاعًا ، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ » . فَحَدَّثْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِى انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَاسْتَثْبِتْ لِى مِنْهُ الَّذِى حَدَّثْتَنِى
(1) - الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (542 )