فهرس الكتاب
ثمَّ فعل ذَلِكَ بعدهمْ التابعون وتابعوهم ، قبيلًا بعد قبيل ، وجِيلًا بعد جيل ، تلقوا ذَلِكَ عَنْهُم ، واستفادوه مِنْهُم - رَضِيَ اللَّهُ عَنَّا وعنهم .
لَكِن دخل فِي ذَلِكَ قوم لَيْسُوا من أهل هَذَا الشَّأْن ، وَلَا جَرْيَ لَهُم فِي هَذَا الميدان ، فأخطئوا فِيمَا نقلوا وحَرَّفوا ، وَرُبمَا وضعُوا ، فَدخلت الآفة من هَذَا الْوَجْه ، وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالسقيم ، والمجروح بالسليم ، فَحِينَئِذٍ أَقَامَ الله سُبْحَانَهُ - وَله الْحَمد والمِنَّة - طَائِفَة كَبِيرَة من هَذِه الْأمة ، هم نُجُوم للدِّين وعَلَمٌ للمسترشدين ، فدوَّنوا التصانيف (المبتكرة) ، المبسوطة والمختصرة ، ونظروا فِي رجالها - جرحا وتعديلًا ، وانقطاعًا ووصلًا - بِالنّظرِ التَّام ، وبذلوا وسعهم فِي ذَلِكَ ، وَقَامُوا بِهِ أحسن قيام ، أعظم الله أَجرهم ، وَلَا خَيَّب سعينا وسعيهم .
وهم (مستمرون) عَلَى ذَلِكَ مدى الدهور والأعوام ، من زَمَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا والذهاب ، بإخباره عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام حَيْثُ قَالَ: «لَا تَزَالُ طائفةٌ من أُمَّتي ظاهِرينَ عَلَى الحقِّ ، لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم ، حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ» .
فَكَانَت هَذِه الطَّائِفَة كَمَا وَصفهم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْخَبَر الْمَرْوِيّ عَنهُ ، (مُرْسلا من جِهَة إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري) ، وَمُسْندًا من جِهَة أبي هُرَيْرَة ، وَعبد الله بن عَمْرو - كَمَا رَوَاهُمَا الْعقيلِيّ .قَالَ عبد الْحق: وَالْأول أحسن . ونَازَعَه ابْن الْقطَّان ، وَفِيه وَقْفَة ، فقد سُئل أَحْمد عَنهُ ، فَقَالَ صَحِيح: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه ، يَنْفُون عَنْه تَحْرِيف الغالين ، وانْتِحَالَ المُبْطِلِيْن ، وَتَأْوِيل الجاهِلِيْن» .
وَمَنَّ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَى هَذِه الطَّائِفَة بِالْحِفْظِ الوافر ، كالبحر الزاخر" [1] ."
وقال الحافظ ابن حجر:
(1) - البدر المنير - (ج 1 / ص 257)