المسلم الحقيقي:
"إن الإسلام هو إسلام القلب والوجه لله تعالى، والاستسلام لأحكام الشريعة والانقياد لأوامره سبحانه، قال الأزهري: فالإسلام: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ."
وفي قصة إبراهيم وإسماعيل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {الصافات:103: 105} ، قال الحافظ ابن كثير: أسلما، يعني: استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله، وإسماعيل طاعة لله ولأبيه، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم . انتهى. ومعنى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي: أكبه على وجهه، فلا يشاهده عند ذبحه فيكون أهون عليه، وقال سبحانه وتعالى مادحًا إبراهيم عليه السلام: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ {البقرة:131} ، قال الحافظ ابن كثير: أي أمره الله بالإخلاص والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا . انتهى.
فالمسلم الحقيقي المستقيم على أمر الله، فيعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، قال تعالى على لسان نبيه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ {الأنعام:162-163} ، والمسلم الحقيقي ينقاد لله، فيمتثل أمره ويجتنب نهيه، ولا يقدم عقله وهواه على ما بلغه من شرع ربه، قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا {النساء:65} .
قال الحافظ ابن كثير: وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: لاَ