فهرس الكتاب

الصفحة 1168 من 1215

بعد القرن الثالث أشدّ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون » إلى قوله « ويظهر فيهم السمن » . فجعل - صلى الله عليه وسلم - ظهور السمن فيهم وشهادتهم بالباطل، وخيانتهم الأمانة، وتنافسهم في الدنيا وأخذهم لها من غير وجهها كما، قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبى سعيد: « ومن أخذه بغير حقه فهو كالذى يأكل ولا يشبع » .

وكذلك خشى عمر بن الخطاب فتنة المال، فروى عنه أنه لما أتى بأموال كسرى بات هو وأكابر الصحابة عليه في المسجد، فلما أصبح وأصابته الشمس التمعت تلك التيجان فبكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ليس هذا حينُ بكاء، إنما هو حِينُ شكر. فقال عمر: إنى أقول: ما فتح الله هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم وقال: اللهم منعت هذا رسولك إكرامًا منك له، وفتحته علىّ لتبتلينى به، اللهم اعصمنى من فتنته. فهذا كله يدل أن الغنى بلية وفتنة، ولذلك استعاذ النبى - صلى الله عليه وسلم - من شر فتنته، وقد أخبر الله تعالى بهذا المعنى فقال لرسوله: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] ، ولهذا آثر أكثر سلف الأمة التقلل من الدنيا وأخذ البلغة؛ إذ التعرض للفتن غرر. [1]

وفي هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:

أولا: من وسائل الدعوة: بعث البعوث وإرسال الدعاة:

بعث البعوث وإرسال الدعاة من أهم الوسائل النافعة في الدعوة إلى اللّه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم هذه الوسيلة في دعوته، وقد دل هذا الحديث على ذلك؛ لأن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أخبر « أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها » ، وهذا فيه بيان"

(1) - شرح ابن بطال - (19 / 208)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت