فهرس الكتاب
(البارقة) : السيوف؛ يريد أن الجمل الذي كانوا يسمعون عنه يكون عنده مقتلة تبرق فيها السيوف؛ أي: تلمع عند الضرب بها، وليس هذا به.
وعَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ لَقَدْ نَفَعَنِى اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ « لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً » صحيح البخارى . [1] .
وعَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ عَصَمَنِى اللَّهُ بِشَىْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى قَالَ « مَنِ اسْتَخْلَفُوا » . قَالُوا ابْنَتَهُ . فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه
(1) - صحيح البخارى (7099 )
وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ ظَاهِر حَدِيث أَبِي بَكْرَة يُوهِم تَوْهِين رَأْي عَائِشَة فِيمَا فَعَلَتْ . وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ مَذْهَب أَبِي بَكْرَة أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْي عَائِشَة فِي طَلَب الْإِصْلَاح بَيْنَ النَّاس ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدهمْ الْقِتَال ، لَكِنْ لَمَّا اِنْتَشَبَتْ الْحَرْب لَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَعَهَا بُدٌّ مِنْ الْمُقَاتَلَة ، وَلَمْ يَرْجِع أَبُو بَكْرَة عَنْ رَأْي عَائِشَة وَإِنَّمَا تَفَرَّسَ بِأَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ لَمَّا رَأَى الَّذِينَ مَعَ عَائِشَة تَحْتَ أَمْرهَا لِمَا سَمِعَ فِي أَمْر فَارِس ، قَالَ: وَيَدُلّ لِذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَنْقُل أَنَّ عَائِشَة وَمَنْ مَعَهَا نَازَعُوا عَلِيًّا فِي الْخِلَافَة وَلَا دَعَوْا إِلَى أَحَد مِنْهُمْ لِيُوَلُّوهُ الْخِلَافَة ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ هِيَ وَمَنْ مَعَهَا عَلَى عَلِيٍّ مَنْعه مِنْ قَتْل قَتَلَة عُثْمَان وَتَرْك الِاقْتِصَاص مِنْهُمْ ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَنْتَظِر مِنْ أَوْلِيَاء عُثْمَان أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ عَلَى أَحَد بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ قَتَلَ عُثْمَان اِقْتَصَّ مِنْهُ ، فَاخْتَلَفُوا بِحَسَبِ ذَلِكَ ، وَخَشِيَ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِمْ الْقَتْل أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى قَتْلهمْ فَأَنْشَبُوا الْحَرْب بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ كَانَ مَا كَانَ . فَلَمَّا اِنْتَصَرَ عَلِيّ عَلَيْهِمْ حَمِدَ أَبُو بَكْرَة رَأْيه فِي تَرْك الْقِتَال مَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ رَأْيه كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ عَائِشَة فِي الطَّلَب بِدَمِ عُثْمَان . اِنْتَهَى كَلَامه ، وَفِي بَعْضه نَظَر يَظْهَر مِمَّا ذَكَرْته وَمِمَّا سَأَذْكُرُهُ . وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي"بَاب إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا"مِنْ حَدِيث الْأَحْنَف أَنَّهُ كَانَ خَرَجَ لِيَنْصُرَ عَلِيًّا فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرَة فَنَهَاهُ عَنْ الْقِتَال ، وَتَقَدَّمَ قَبْلَهُ بِبَابٍ مِنْ قَوْل أَبِي بَكْرَة لَمَّا حَرَّقَ اِبْن الْحَضْرَمِيّ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقِتَال فِي مِثْل ذَلِكَ أَصْلًا فَلَيْسَ هُوَ عَلَى رَأْي عَائِشَة وَلَا عَلَى رَأْي عَلِيّ فِي جَوَاز الْقِتَال بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا كَانَ رَأْيه الْكَفّ وِفَاقًا لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَغَيْرهمْ ، وَلِهَذَا لَمْ يَشْهَد صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَة وَلَا عَلِيّ . قَالَ اِبْن التِّين: اِحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَة مَنْ قَالَ لَا يَجُوز أَنْ تُوَلَّى الْمَرْأَة الْقَضَاء وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور ، وَخَالَفَ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيُّ فَقَالَ يَجُوز أَنْ تَقْضِي فِيمَا تُقْبَل شَهَادَتهَا فِيهِ ، وَأَطْلَقَ بَعْض الْمَالِكِيَّة الْجَوَاز ، وَقَالَ اِبْن التِّين أَيْضًا: كَلَام أَبِي بَكْرَة يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا عَائِشَة لَكَانَ مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر لِأَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُمَا لَكَانَ مَعَ عَلِيّ . وَكَذَا قَالَ وَأَغْفَلَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْكَفّ عَنْ الْقِتَال فِي الْفِتْنَة كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد ، وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه تَرَكَ الْقِتَال مَعَ أَهْل بَلَده لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَنْ لَا يَكُون مَانَعَهُ مِنْ الْقِتَال سَبَب آخَر وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيه الْأَحْنَف عَنْ الْقِتَال وَاحْتِجَاجه بِحَدِيثِ"إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا"كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا . فتح الباري لابن حجر - (20 / 107)