فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 1215

مَا وَجَدْتُ فِى نَفْسِى أَنِّى لَمْ أُقَاتِلْ هَذِهِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ كَمَا أَمَرَنِى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. زَادَ الْقَطَّانُ فِى رِوَايَتِهِ قَالَ حَمْزَةُ فَقُلْنَا لَهُ: وَمَنْ تَرَى الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ابْنَ الزُّبَيْرِ بَغَى عَلَى هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَنَكَثَ عَهْدَهُمْ. {ق} فَفِى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الآيَةِ فِى قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ."السنن الكبرى للبيهقي [1] "

وأما ماورد عنه غير ذلك فغير صحيح ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ ابْنَ عُمَرَ الْمَوْتُ قَالَ:"مَا آسَى عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ: ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ , وَمُكَابَدَةِ اللَّيْلِ , وَأَنِّي لَمْ أُقَاتِلْ هَذِهِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ بِنَا - يَعْنِي الْحَجَّاجَ -"وَصَايَا الْعُلَمَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ لِابْنِ زَبْرٍ الرَّبَعِيِّ [2]

قلت: هذا التأويل غير صحيح ، وليس من كلام ابن عمر رضي الله عنهما ،وقال الذهبي عقبه:"قلت: هذا ظن من بعض الرواة، وإلا فهو قد قال الفئة الباغية ابن الزبير كما تقدم، والله أعلم" [3]

وقَالَ أَبُو وَائِلٍ لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ فَقَالَ اتَّهِمُوا الرَّأْىَ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِى يَوْمَ أَبِى جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلاَّ أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ هَذَا الأَمْرِ ، مَا نَسُدُّ مِنْهَا خُصْمًا إِلاَّ انْفَجَرَ عَلَيْنَا خُصْمٌ مَا نَدْرِى كَيْفَ نَأْتِى لَهُ ."رواه الشيخان [4] "

(1) - السنن الكبرى للبيهقي (8 / 172) (17151) وفتح الباري لابن حجر - (13 / 72) و تاريخ الإسلام للإمام الذهبي - (5 / 465) صحيح

(2) - وَصَايَا الْعُلَمَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ لِابْنِ زَبْرٍ الرَّبَعِيِّ (48) صحيح -الهواجر: مفردها الهاجِرة وهي اشتدادُ الحَرِّ نصفَ النهار

(3) - تاريخ الإسلام للإمام الذهبي - (5 / 465)

(4) - صحيح البخارى (4189) وصحيح مسلم (4736 )

وفي شرح مشكل الآثار - (13 / 39) (5038 ) عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ:"أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا"

فَكَانَ مَا فِي حَدِيثَيْ عُمَرَ، وَسَهْلٍ هَذَيْنِ، عَلَى أَنَّ الرَّأْيَ قَدْ يُصَابُ بِهِ حَقِيقَةُ الصَّوَابِ، وَقَدْ يَقْصُرُ فِيهِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُ الرَّأْيِ فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي لَا تُوجَدُ الْأَحْكَامُ فِيهَا فِي الْكِتَابِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا فِي إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَنْصُوصًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُبِيحَ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ، وَأُطْلِقَ لَنَا الْحَكَمُ بِهِ، قَدْ يَكُونُ فِيهِ إِصَابَةُ الصَّوَابِ فِي تِلْكَ الْحَوَادِثِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّقْصِيرُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنَّا مَحْمُودِينَ فِي اجْتِهَادِنَا فِي ذَلِكَ، إِذْ لَا نَسْتَطِيعُ غَيْرَ مَا قَدْ فَعَلْنَاهُ فِيهِ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي الْحُكَّامِ ذَوِي الْخِلَافِ، إِذَا حَكَمُوا فَأَصَابُوا فَإِنَّ لَهُمْ أَجْرَيْنِ، وَإِذَا حَكَمُوا، فَأَخْطَئُوا، فَإِنَّ لَهُمْ أَجْرًا وَاحِدًا، إِذْ كَانُوا قَدِ اجْتَهَدُوا بِالْآلَاتِ الَّتِي يُجْتَهَدُ بِمِثْلِهَا، فَأَصَابُوا حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ، أَوْ قَصَّرُوا عَنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السَّلَامَةِ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الْفِقْهَ، فَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ قَدْ دَخَلَ فِي الْغُلُوِّ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: إِنَّهُ إِذَا حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ، وَمَعَهُ الْآلَةُ الَّتِي لِأَهْلِهَا اجْتِهَادٌ، أَنَّهُ قَدْ حُكْمَ بِالْحَقِّ الَّذِي لَوْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، مَا نَزَلَ إِلَّا بِهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَمِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَمْدِ اللهِ قَوْلًا مُنْكَسِرًا، وَأَهْلُهُ مَحْجُوجُونَ، بِمَا لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفَعَهُ، وَلَا الْخُرُوجَ مِنْهُ فَمِمَّنْ كَانَ غَلَا فِي ذَلِكَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ فَحَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَنِي هَذَا الْقَوْلُ عَنْهُ أَعْظَمْتُهُ، فَأَتَيْتُهُ فِي يَوْمِي الَّذِي بَلَغَنِي ذَلِكَ الْقَوْلُ عَنْهُ فِيهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، لِأُحَقِّقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ قَالَهُ، فَقَالَ لِي: قَدْ قُلْتُهُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: هَلِ اسْتَعْمَلْتَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْفِقْهِ رَأْيَكَ، وَاجْتَهَدْتَ فِيهَا، حَتَّى بَلَغَتْ عِنْدَ نَفْسِكَ غَايَةَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي عَلَيْكَ فِيهَا ثُّمَ تَبَيَّنَ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي غَيْرِ الَّذِي كَانَ أَدَّاكَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُكَ فِيهَا ؟، فَقَالَ لِي: نَعَمْ، نَحْنُ فِي هَذَا أَكْثَرُ نَهَارِنَا قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ الَّذِي لَوْ نَزَلَ الْقُرْآنُ نَزَلَ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ، هَلْ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي قُلْتَهُ فِيهَا، أَوْ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي الَّذِي قُلْتَهُ فِيهَا، وَقَدْ بَلَغَتْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الَّذِي عَلَيْكَ أَنْ تَبْلُغَهُ فِيهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ ؟ قَالَ: فَانْقَطَعَ وَاللهِ فِي يَدِي أَقْبَحَ انْقِطَاعٍ، وَمَا رَدَّ عَلَيَّ حَرْفًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ أَجَادَ أَبُو جَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَأَقَامَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي حُجَّةِ مِنْ حُجَجِهِ عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْهَا، وَغَلَا الْغُلُوَّ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَذْمُومًا، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت