فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 1215

وهذا يقتضي جواز الحكم بالظواهر، وحمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على ما هو في نفس الأمر، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وهو المعتمد" [1] ، والظاهر من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « هذه غدرة فلان بن فلان » ، أن لكل غدرة واحدة لواء. قال الإمام ابن أبي جمرة رحمه الله:"ظاهر الحديث يعطي أن لكل غدرة لواء" [2] وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"فعلى هذا يكون للشخص الواحد عدة ألوية بعدد غدراته" [3] .

ولأهمية التحذير من الغدر قال الوزير العالم ابن هبيرة رحمه الله:"لما أتى الغادر بالشنعاء في اللوم وهي الغدرة، وإنما يأتي ذلك؛ لذل فيه عن المجاهرة بالغدر، رفع اللواء عليه [4] . لإظهار شهرته، بعقوبة يشهدها الأولون والآخرون". [5] وقد ذم الله المنافقين أشد الذم وأقبحه فقال عز وجل: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ } { فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } (سورة التوبة، الآيات: 75 - 77.) .

وقد جعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغدر إحدى الخصال التي من وجدت فيه كان منافقا خالصا، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ » [6] وبين - صَلَّى اللَّهُ

(1) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 10 / 563.

(2) - بهجة النفوس، 4 / 175.

(3) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 10 / 563.

(4) - جاء في الحديث « يرفع » وفي رواية: « ينصب » والمعنى واحد، وانظر: فتح الباري لابن حجر 10 / 563.

(5) - الإفصاح عن معاني الصحاح، 2 / 75، وانظر: 4 / 102.

(6) - متفق عليه: البخاري برقم 34، ومسلم، برقم 58، وتقدم تخريجه في الحديث رقم 183، الدرس الثالث، ص 1021.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت