وهذا يقتضي جواز الحكم بالظواهر، وحمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على ما هو في نفس الأمر، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وهو المعتمد" [1] ، والظاهر من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « هذه غدرة فلان بن فلان » ، أن لكل غدرة واحدة لواء. قال الإمام ابن أبي جمرة رحمه الله:"ظاهر الحديث يعطي أن لكل غدرة لواء" [2] وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"فعلى هذا يكون للشخص الواحد عدة ألوية بعدد غدراته" [3] .
ولأهمية التحذير من الغدر قال الوزير العالم ابن هبيرة رحمه الله:"لما أتى الغادر بالشنعاء في اللوم وهي الغدرة، وإنما يأتي ذلك؛ لذل فيه عن المجاهرة بالغدر، رفع اللواء عليه [4] . لإظهار شهرته، بعقوبة يشهدها الأولون والآخرون". [5] وقد ذم الله المنافقين أشد الذم وأقبحه فقال عز وجل: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ } { فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } (سورة التوبة، الآيات: 75 - 77.) .
وقد جعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغدر إحدى الخصال التي من وجدت فيه كان منافقا خالصا، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ » [6] وبين - صَلَّى اللَّهُ
(1) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 10 / 563.
(2) - بهجة النفوس، 4 / 175.
(3) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 10 / 563.
(4) - جاء في الحديث « يرفع » وفي رواية: « ينصب » والمعنى واحد، وانظر: فتح الباري لابن حجر 10 / 563.
(5) - الإفصاح عن معاني الصحاح، 2 / 75، وانظر: 4 / 102.
(6) - متفق عليه: البخاري برقم 34، ومسلم، برقم 58، وتقدم تخريجه في الحديث رقم 183، الدرس الثالث، ص 1021.