فهرس الكتاب

الصفحة 723 من 1215

فِي بَيَانِ مَعْنَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي انْحَرَفَتْ عَنْهُ سُبُلُ أَهْلِ الِابْتِدَاعِ فَضَلَّتْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ الْبَيَانِ

قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ وَكُلَّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَنَّ مَا سِوَاهَا مُنْحَرِفٌ عَنِ الْجَادَّةِ وَرَاكِبٌ بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ . فَوَقَعَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلَافُ إِذًا فِي تَعْيِينِهِ وَبَيَانِهِ ، حَتَّى أَشْكَلَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ نَظَرَ فِيهَا ، حَتَّى قَالَ مَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ أَوِ النَّقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ . فَعَدَدُ الْأَقْوَالِ فِي تَعْيِينِ هَذَا الْمَطْلَبِ عَلَى عَدَدِ الْفِرَقِ ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الِاخْتِلَافِ ، إِذْ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِي الشَّرِيعَةِ مَسْأَلَةً يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ قَوْلًا إِلَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَتَحْرِيرُ النَّظَرِ حَتَّى تَتَّضِحَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَغْمَضِ الْمَسَائِلِ .

وَوَجْهٌ ثَانٍ: أَنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ لَوْ تَعَيَّنَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَقَعِ اخْتِلَافٌ أَصْلًا ، لَأَنَّ الِاخْتِلَافَ مَعَ تَعْيِينِ مَحَلِّهِ مُحَالٌ ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ بِقَصْدِ الْعِنَادِ ، لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مُخْرِجٌ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَكَلَامُنَا فِي الْفِرَقِ .

وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَقَعُ مِنْ رَاسِخٍ فِي الْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا تَقَعُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَصَرِّفِينَ فِي أَدِلَّتِهَا . وَالشَّهَادَةُ بِأَنَّ فُلَانًا رَاسِخٌ فِي الْعِلْمِ وَفُلَانًا غَيْرُ رَاسِخٍ ، فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ وَانْحَازَ إِلَى فِرْقَةٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ الرَّاسِخُ ، وَغَيْرُ قَاصِرِ النَّظَرِ ، فَإِنْ فُرِضَ عَلَى ذَلِكَ الْمَطْلَبِ عَلَامَةٌ وَقَعَ النِّزَاعُ إِمَّا فِي الْعَلَامَةِ ، وَإِمَّا فِي مَنَاطِهَا .

وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ عَلَامَةَ الْخُرُوجِ مِنَ الْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةُ الْمُنَبِّهُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا وَالْفُرْقَةُ - بِشَهَادَةِ الْجَمِيعِ - [ حَقِيقِيَّةٌ ] وإِضَافِيَّةٌ فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا هِيَ الْجَمَاعَةُ وَمَنْ سِوَاهَا مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ .

وَمِنَ الْعَلَامَاتِ اتِّبَاعُ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَرْمِي صَاحِبَتَهَا بِذَلِكَ وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ أُمَّ الْكِتَابِ دُونَ الْأُخْرَى فَتَجْعَلُ دَلِيلَهَا عُمْدَةً وَتَرُدُّ إِلَيْهِ سَائِرَ الْمَوَاضِعِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى عَكْسِ الْأُخْرَى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت