فَإِنَّ الْغُرْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ فَقْدِ الْأَهْلِ أَوْ قِلَّتِهِمْ ، وَذَلِكَ حِينَ يَصِيرُ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا ، وَتَصِيرُ السُّنَّةُ بِدْعَةً وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً ، فَيُقَامُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ بِالتَّثْرِيبِ وَالتَّعْنِيفِ ، كَمَا كَانَ أَوَّلًا يُقَامُ عَلَى أَهْلِ الْبِدْعَةِ; طَمَعًا مِنَ الْمُبْتَدِعِ أَنْ تَجْتَمِعَ كَلِمَةُ الضَّلَالِ ، وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ تَجْتَمِعَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَلَا تَجْتَمِعُ الْفِرَقُ كُلُّهُا عَلَى كَثْرَتِهَا عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ عَادَةً وَسَمْعًا ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لِكَثْرَةِ مَا تُنَاوِشُهُمُ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ وَتُنَاصِبُهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ; اسْتِدْعَاءً إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ ، لَا يَزَالُونَ فِي جِهَادٍ وَنِزَاعٍ ، وَمُدَافَعَةٍ وَقِرَاعٍ ، آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَبِذَلِكَ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُمُ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ وَيُثِيبُهُمْ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ .
فَقَدْ تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مُطَالَبَةَ الْمُخَالَفَةِ بِالْمُوَافَقَةِ جَارٍ مَعَ الْأَزْمَانِ ، لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ ، فَمَنْ وَافَقَ; فَهُوَ عِنْدَ الْمُطَالِبِ الْمُصِيبُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، وَمَنْ خَالَفَ; فَهُوَ الْمُخْطِئُ الْمُصَابُ ، وَمَنْ وَافَقَ; فَهُوَ الْمَحْمُودُ السَّعِيدُ ، وَمَنْ خَالَفَ; فَهُوَ الْمَذْمُومُ الْمَطْرُودُ ، وَمَنْ وَافَقَ ، فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ ، وَمَنْ خَالَفَ: فَقَدْ تَاهَ فِي طُرُقِ الضَّلَالَةِ وَالْغِوَايَةِ ." [1] "
قلت: بعد سقوط الخلافة الإسلامية قلدت الأمة المسلمة أعداء الإسلام ، بكل شيء خصيص وخبيث ، وقد فصلت القول في ذلك في كتابي (( موسوعة الغزو الفكري والثقافي ) )وهو في مكتبة مشكاة ومكتبة صيد الفوائد .
(1) - الاعتصام للشاطبي - (1 / 28) فما بعد