هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ » صحيح مسلم. [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وَأَمَّا مَنْ يَأْخُذُ بِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَعَ حَاجَتِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَ الْغِنَى كَالْقَاضِي ، وَالشَّاهِدِ ، وَالْمُفْتِي ، وَالْحَاسِبِ ، وَالْمُقْرِئِ ، وَالْمُحْدِثِ ، إذَا كَانَ غَنِيًّا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ غِنَاهُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ إنَّ عِنَايَةَ الْإِمَامِ بِأَهْلِ الْحَاجَاتِ تَجِبُ أَنْ تَكُونَ فَوْقَ عِنَايَتِهِ بِأَهْلِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، كَالْجِهَادِ ، وَالْوِلَايَةِ ، وَالْعِلْمُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لِوُجُوهٍ ."
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي مَالِ الْفَيْءِ وَالْمَصَالِحِ أَنْ يُقَدَّمَ أَهْلُ الْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ ، وَأَمَّا مَالُ الصَّدَقَاتِ فَيَأْخُذُ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَأْخُذُ بِحَاجَتِهِ كَالْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَالْغَارِمِينَ لِمَصْلَحَةِ أَنْفُسِهِمْ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَقَوْمٌ يَأْخُذُونَ لِمَنْفَعَتِهِمْ: كَالْعَامِلِينَ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، كَمَنْ فِيهِ نَفْعٌ عَامٌّ كَالْمُقَاتِلَةِ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ أَحَقَّ مِنْ الْآخَرِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا وَهَذَا .
الثَّانِي: أَنْ مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْقَائِمِينَ بِالْمَصَالِحِ مِنْ الْجِهَادِ وَالْوِلَايَاتِ وَالْعِلْمِ مِنْ فَسَادِ النِّيَّةِ ، مُعَارَضٌ بِمَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْ الْفِسْقِ وَالزَّنْدَقَةِ .
وَكَمَا أَنَّ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ صَالِحِينَ أَوْلِيَاءً لِلَّهِ فَفِي الْمُجَاهِدِينَ وَالْعُلَمَاءِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ ، وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانُوا ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ وَالْعِلْمِ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنْ سَادَات أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، كَانُوا كَذَلِكَ ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ الْيَوْمَ فِي زَمَانِنَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ وَالْعُلَمَاءِ إنَّمَا يَتَّخِذُونَ الْجِهَادَ ، وَالْقِتَالَ ، وَالِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ ، مَعِيشَةً دُنْيَوِيَّةً يُحَامُونَ بِهَا عَنْ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَإِنَّهُمْ عُصَاةٌ بِقِتَالِهِمْ وَاشْتِغَالِهِمْ ، مَعَ انْضِمَامِ مَعَاصٍ وَمَصَائِبَ أُخْرَى لَا يَتَّسِعُ
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (2496 )