النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَوَّلِهِمْ: { لَقَدْ خِبْت وَخَسِرْت إنْ لَمْ أَعْدِلْ } فَإِذَا جُوِّزَ أَنَّ الرَّسُولَ يَجُوزُ أَنْ يَخُونَ وَيَظْلِمَ فِيمَا ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْوَالِ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ أَمِينُ اللَّهِ عَلَى وَحْيِهِ فَقَدْ اتَّبَعَ ظَالِمًا كَاذِبًا وَجَوَّزَ أَنْ يَخُونَ وَيَظْلِمَ فِيمَا ائْتَمَنَهُ مِنْ الْمَالِ مَنْ هُوَ صَادِقٌ أَمِينٌ فِيمَا ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيَأْمَنَّنِي مَنْ فِي السَّمَاءِ وَلَا تَأْمَنُونِي ؟ } أَوْ كَمَا قَالَ . يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ فِي الْوَحْيِ أَعْظَمُ وَالْوَحْيُ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَتَهُ هُوَ الْوَحْيُ بِحُكْمِهِ وَقَسْمِهِ . وَقَدْ يُنْكِرُ هَؤُلَاءِ كَثِيرًا مِنْ السُّنَنِ طَعْنًا فِي الْعَقْلِ لَا رَدًّا لِلْمَنْقُولِ كَمَا يُنْكِرُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ السُّنَنَ الْمُتَوَاتِرَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَالشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ وَالصِّرَاطِ وَالْقَدَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ:"السُّنَنُ الْمُتَوَاتِرَةُ"عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا مُتَلَقَّاةٌ بِالْقَبُولِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا ؛ أَوْ بِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ لَهَا . وَهَذِهِ أَيْضًا مِمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى اتِّبَاعِهَا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ أَنْكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ . وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِشَيْءِ مِنْهَا وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ وَغَيْرِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ قَدْ يُنْكِرُ كَثِيرًا مِنْهَا بِشُرُوطِ اشْتَرَطَهَا وَمُعَارَضَاتٍ دَفَعَهَا بِهَا وَوَضَعَهَا كَمَا يَرُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِأَنَّهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِيمَا زَعَمَ أَوْ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأُصُولِ أَوْ قِيَاسُ الْأُصُولِ أَوْ لِأَنَّ عَمَلَ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَعْرُوفَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ .
الطَّرِيقُ الرَّابِعُ: الْإِجْمَاعُ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ لَكِنَّ الْمَعْلُومَ مِنْهُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَأَمَّا مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَعَذَّرَ الْعِلْمُ بِهِ غَالِبًا وَلِهَذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ الإجماعات الْحَادِثَةِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَاخْتَلَفَ فِي مَسَائِلَ مِنْهُ كَإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ وَالْإِجْمَاعِ الَّذِي لَمْ يَنْقَرِضُ عَصْرُ أَهْلِهِ حَتَّى خَالَفَهُمْ بَعْضُهُمْ وَالْإِجْمَاعِ السكوتي وَغَيْرِ ذَلِكَ .