قَال: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا . قِيل: فَمُنَافِقُونَ ؟ قَال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا . قِيل فَمَا هُمْ ؟ قَال: هُمْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ ، فَعَمُوا وَصَمُّوا ، وَبَغَوْا عَلَيْنَا ، وَقَاتَلُوا فَقَاتَلْنَاهُمْ . وَقَال لَهُمْ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلاَثٌ: لاَ نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ ، وَلاَ نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ ، وَلاَ نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا . [1]
وَيَقُول الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ تَظَاهَرَ الْخَوَارِجُ بِاعْتِقَادِهِمْ ، وَهُمْ عَلَى اخْتِلاَطٍ بِأَهْل الْعَدْل ، جَازَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ . [2]
ب - الْمُحَارِبُونَ: لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحِرَابَةِ مَصْدَرُ حَرَبَ ، وَحَرَبَهُ يَحْرُبُهُ: إِذَا أَخَذَ مَالَهُ ، وَالْحَارِبُ: الْغَاصِبُ النَّاهِبُ . [3]
وَعَبَّرَ عَنْهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: بِقَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَقَالُوا: إِنَّهُ الْخُرُوجُ عَلَى الْمَارَّةِ لأَِخْذِ الْمَال عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ ، عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ الْمَارَّةَ مِنَ الْمُرُورِ ، فَيَنْقَطِعُ الطَّرِيقُ ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَطْعُ مِنْ جَمَاعَةٍ أَمْ وَاحِدٍ ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةُ الْقَطْعِ ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَطْعُ بِسِلاَحٍ أَمْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعَصَا وَالْحَجَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَتُسَمَّى الْحِرَابَةُ بِالسَّرِقَةِ الْكُبْرَى .
أَمَّا كَوْنُهَا سَرِقَةً ؛ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ يَأْخُذُ الْمَال خُفْيَةً عَنْ عَيْنِ الإِْمَامِ الَّذِي عَلَيْهِ حِفْظُ الأَْمْنِ . وَأَمَّا كَوْنُهَا كُبْرَى ؛ فَلأَِنَّ ضَرَرَهُ يَعُمُّ ، حَيْثُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِزَوَال الأَْمْنِ . [4]
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِرَابَةِ وَالْبَغْيِ هُوَ أَنَّ الْبَغْيَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ تَأْوِيلٍ ، أَمَّا الْحِرَابَةُ فَالْغَرَضُ مِنْهَا الإِْفْسَادُ فِي الأَْرْضِ .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْبَغْيِ:
(1) - المغني 8 / 105 - 107 .
(2) - الأحكام السلطانية ص 158 .
(3) - لسان العرب مادة:"حرب".
(4) - البحر الرائق 5 / 72 ، والبدائع 7 / 90 ، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق 3 / 235 ، ومواهب الجليل ، 6 / 914 ، والشرح الصغير 4 / 491 .