فهرس الكتاب
الظَّنُّ ، فَإِنَّ الْعَوَامَّ يَقْتَدُونَ - بِغَيْرِ نَظَرٍ - بِالْمَوْثُوقِ بِهِمْ أَوْ بِمَنْ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِهِ ، فَتَعُمُّ الْبَلْوَى وَيَسْهُل عَلَى النَّاسِ ارْتِكَابُهَا . [1]
تَقْسِيمُ الْمُبْتَدِعِ إِلَى دَاعِيَةٍ لِبِدْعَتِهِ وَغَيْرِ دَاعِيَةٍ:
الْمَنْسُوبُ إِلَى الْبِدْعَةِ فِي الْعُرْفِ لاَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِيهَا أَوْ مُقَلِّدًا ، وَالْمُقَلِّدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا مَعَ الإِْقْرَارِ بِالدَّلِيل الَّذِي زَعَمَهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُبْتَدِعُ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ ، كَالْعَامِّيِّ الصِّرْفِ الَّذِي حَسَّنَ الظَّنَّ بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْصِيل يَتَعَلَّقُ بِهِ ، إِلاَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ بِالْمُبْتَدِعِ خَاصَّةً . وَهَذَا الْقِسْمُ كَثِيرٌ فِي الْعَوَامِّ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ آثِمٌ ، فَلَيْسَ الإِْثْمُ الْوَاقِعُ عَلَيْهِ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ . بَل هُوَ عَلَى مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ ، مِنْ جِهَةِ كَوْنِ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ دَاعِيًا إِلَيْهَا أَمْ لاَ ؛ لأَِنَّ الزَّيْغَ فِي قَلْبِ الدَّاعِي أَمْكَنُ مِنْهُ فِي قَلْبِ الْمُقَلِّدِ ؛ وَلأَِنَّهُ أَوَّل مَنْ سَنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ ؛ وَلأَِنَّهُ يَتَحَمَّل وِزْرَ مَنْ تَبِعَهُ ، مِصْدَاقًا لِحَدِيثِ: مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . كَمَا يَخْتَلِفُ الإِْثْمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِْسْرَارِ وَالإِْعْلاَنِ ؛ لأَِنَّ الْمُسِرَّ ضَرَرُهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لاَ يَتَعَدَّاهُ ، بِخِلاَفِ الْمُعْلِنِ .
كَمَا يَخْتَلِفُ كَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الإِْصْرَارِ عَلَيْهَا أَوْ عَدَمِهِ ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كُفْرًا أَوْ غَيْرَ كُفْرٍ . [2]
رِوَايَةُ الْمُبْتَدِعِ لِلْحَدِيثِ:
رَدَّ الْعُلَمَاءُ رِوَايَةَ مَنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ ، وَلَمْ يَحْتَجُّوا بِهِ فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ . وَلَكِنَّهُمْ شَرَطُوا لِلْكُفْرِ بِالْبِدْعَةِ ، أَنْ يُنْكِرَ الْمُبْتَدِعُ أَمْرًا مُتَوَاتِرًا مِنَ الشَّرْعِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ .
أَمَّا مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِي رِوَايَتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
(1) - الاعتصام 2 / 57 ، وابن عابدين 2 / 140 ، والزواجر 1 / 4 ، وقواعد الأحكام لابن عبد السلام 1 / 22ط الاستقامة .
(2) - الاعتصام 1 / 126 ، 129 ، 130 ، وابن عابدين 3 / 297 ، 5 / 446 والاعتصام 1 / 129 ، 130 .