فهرس الكتاب

الصفحة 928 من 1215

الْقِتَالِ فِيهَا وَكَنَهْيِهِ لِمَنْ نَهَاهُ عَنْ الْقِتَالِ فِيهَا وَأَمَرَهُ بِاِتِّخَاذِ سَيْفٍ مِنْ خَشَبٍ وَلِكَوْنِ عَلِيٍّ (رضي الله عنه ) لَمْ يَذُمَّ الْقَاعِدِينَ عَنْ الْقِتَالِ مَعَهُ بَلْ رُبَّمَا غَبَطَهُمْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ . وَلِأَجْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ تُرْكَ عَلِيٍّ الْقِتَالَ كَانَ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ صَرَّحَتْ بِأَنَّ الْقَاعِدَ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْبُعْدَ عَنْهَا خَيْرٌ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهَا قَالُوا: وَرُجْحَانُ الْعَمَلِ يَظْهَرُ بِرُجْحَانِ عَاقِبَتِهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَبْدَءُوهُ بِقِتَالِ فَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ لَمْ يَقَعْ أَكْثَرُ مِمَّا وَوَقَعَ مِنْ خُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ لَكِنْ بِالْقِتَالِ زَادَ الْبَلَاءُ وَسُفِكَتْ الدِّمَاءُ وَتَنَافَرَتْ الْقُلُوبُ وَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَحُكِّمَ الْحَكَمَانِ حَتَّى سُمِّيَ مُنَازِعُهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَظَهَرَ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْقِتَالِ وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ . وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ فِعْلِهِ فَإِنَّ فَضَائِلَ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هِيَ بِنَتَائِجِهَا وَعَوَاقِبِهَا وَالْقُرْآنُ إنَّمَا فِيهِ قِتَالُ الطَّائِفَةِ الْبَاغِيَةِ بَعْدَ الِاقْتِتَالِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي } الْآيَةَ . فَلَمْ يَأْمُرْ بِالْقِتَالِ ابْتِدَاءً مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ ؛ لَكِنْ أُمِرَ بِالْإِصْلَاحِ وَبِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ

وَ"إنْ قِيلَ"الْبَاغِيَةُ يَعُمُّ الِابْتِدَاءُ وَالْبَغْيُ بَعْدَ الِاقْتِتَالِ .

قِيلَ: فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَمْرٌ لِأَحَدِهِمَا بِأَنْ تُقَاتِلَ الْأُخْرَى وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ لِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ وَالْكَلَامُ هُنَا: إنَّمَا هُوَ فِي أَنْ فِعْلَ الْقِتَالِ مِنْ عَلِيٍّ (رضي الله عنه ) لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ بَلْ كَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ وَأَمَّا إذَا قَاتَلَ لِكَوْنِ الْقِتَالِ جَائِزًا وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ أَوْ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ وَلَيْسَ بِجَائِزِ فِي الْبَاطِنِ: فَهُنَا الْكَلَامُ فِي وُجُوبِ الْقِتَالِ مَعَهُ لِلطَّائِفَةِ الْبَاغِيَةِ أَوْ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَهُوَ مَوْضِعُ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَاجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُجَاهِدِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ وَشِيعَتُهُ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ فَيُمْكِنُ وَجْهَانِ:

-أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ بِقِتَالِ الطَّائِفَةِ الْبَاغِيَةِ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِمْكَانِ . إذْ لَيْسَ قِتَالُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِمْكَانِ فَقَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الْمَشْرُوعَةُ أَحْيَانًا هِيَ التَّآلُفُ بِالْمَالِ وَالْمُسَالَمَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت