النور، والشر من فعل الظلمة فصاروا بذلك ثنوية ، وكذلك القدرية لما أضافوا الخير إلى الله ، والشر إلى العبيد ، أثبتوا قادرين خالقين للأفعال كما أثبت المجوس ، فأشبوهم ، وليس كذلك غير القدرية ، فإن مذهبهم أن الله تعالى خالق الخير والشر ، لايكون شيء منهما إلا بخلقه ومشيئته ، فالأمران معا مضافان إليه خلقا وإيجادا ، وإلى العباد مباشرة واكتسابا." [1] "
وقد حدثت بدعة القدرية في آخر عصر الصحابة، فأنكرها عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك أئمة التابعين ومن بعدهم من الأئمة.
وأما المرجئة؛ فقد قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( أحمد بن حنبل) : وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ فَهُوَ وَتَصْدِيقُ الْقَلْبِ مَعْنًى وَاحِدٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَعْيَانِهِمَا . يُقَالُ لَهُمْ: كَيْفَ يَخْتَلِفُ شَيْئَانِ فِي أَعْيَانِهِمَا وَيَتَّفِقَانِ فِي الِاسْمِ مِنْ جِهَةِ مَا اخْتَلَفَا ؟ فَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي اللُّغَةِ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: دِينِي وَدِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ ، وَفِعْلُ مُحَمَّدٍ غَيْرُ فِعْلِهِ لِأَنَّ ضَمِيرَهُ غَيْرَ ضَمِيرِهِ ، وَقَوْلَهُ غَيْرَ قَوْلِهِ . فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّمَا يَقُولُ الْقَائِلُ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ الدِّينَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ دِينِي ، وَلَا يُرِيدُ أَنَّ ضَمِيرَ مُحَمَّدٍ هُوَ ضَمِيرِي لِأَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ فِي مَجَازِ اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى الْأَمْرِ بِهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ ، وَالْآخَرُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى ، فَأَمَّا الظَّاهِرُ فِي اللِّسَانِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْمَجَازِ ، فَقَوْلُ الْمُسْلِمِينَ: جَاءَنَا مُحَمَّدٌ بِالْإِيمَانِ ، وَشَرَحَ لَنَا الْإِيمَانَ ، وَجَاءَنَا بِالدِّينِ فَإِنَّمَا يَعْنُونَ بَيَانَ الْإِيمَانِ وَتَفْسِيرَهِ كَيْفَ هُوَ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِالْإِيمَانِ ، ثُمَّ فَسَّرَ لَنَا مَا الْإِيمَانُ فَسُمِّيَ تَفْسِيرُ الْإِيمَانِ إِيمَانًا ، فَأَمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّمَا الْإِيمَانُ فِعْلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ فِعْلًا لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَسَمَّى اللَّهُ الدَّلَالَةَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْأَمْرِ بِهِ إِيمَانًا ، وَالْإِيمَانُ فِي عَيْنِهِ فِعْلُ الْمُؤْمِنِ كَمَا يَقُولُ: جَاءَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(1) - جامع الأصول في أحاديث الرسول - (10 / 128)