فهرس الكتاب
الْإِلْحَادِ ، فَكَيْفَ سَاغَ لَكَ أَنْ تَقِيسَ عِيسَى بِالْقُرْآنِ ؟ وَعِيسَى قَدْ جَرَتْ عَلَيْهِ أَلْفَاظٌ وَتَقَلَّبَتْ بِهِ أَحْوَالٌ لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِنْهَا أَحْوَالَ الْقُرْآنِ . مِنْهَا: أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَوَضَعَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ ، فَكَانَ وَلِيدًا ، وَرَضِيعًا ، وَفَطِيمًا ، وَصَبِيًّا ، وَنَاشِئًا وَكَهْلًا وَحَيًّا نَاطِقًا ، وَمَاشِيًا وَذَاهِبًا ، وَجَائِيًا وَقَائِمًا ، وَقَاعِدًا ، وَيَصُومُ وَيُصَلِّي ، وَيَنَامُ وَيَسْتَيْقِظُ ، وَيَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَشْرَبُ ، وَيَكُونُ مِنْهُ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَوَانِ إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ . وَبِذَلِكَ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تَكْذِيبًا لِلنَّصَارَى حِينَ قَالُوا فِيهِ الْقَوْلُ الَّذِي يُضَاهِي قَوْلَكَ أَيُّهَا الْجَهْمِيُّ ، فَقَالَ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ، فَكَنَّى بِالطَّعَامِ عَنْ خُرُوجِ الْحَدَثِ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا مُخَاطَبٌ بِالتَّعَبُّدِ وَبِالسُّؤَالِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، وَمُحَاسَبٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ حَيٌّ وَمَيِّتٌ وَمَبْعُوثٌ ، فَهَلْ سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ الْقُرْآنَ بِشَيْءٍ مِمَّا وَصَفَ عِيسَى ؟ فَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، فَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ قَوْلُهُ كُنْ ، فَكَانَ عِيسَى بِقَوْلِهِ كُنْ ، وَكَذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَا يُزِيلُ عَنْهُ وَهْمَ الْمُتَوَهِّمِ ، فَقَالَ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ، فَكَلِمَةُ اللَّهُ قَوْلُهُ: كُنْ وَالْمُكَوَّنُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالْجَهْمِيُّ حَرِيصٌ عَلَى إِبْطَالِ صِفَاتِ رَبِّهِ لِإِبْطَالِ آنِيَّتِهِ وَمِمَّا يَدَّعِيهِ الْجَهْمِيُّ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ قَوْلَهُ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ . فَقَالَ الْجَهْمِيُّ: فَهَلْ يَذْهَبُ إِلَّا مَخْلُوقٌ ؟ وَكَمَا قَالَ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ، فَالْقُرْآنُ يَذْهَبُ كَمَا ذَهَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَفْحَشَ الْجَهْمِيُّ فِي التَّأْوِيلِ وَأَتَى بِأَنْجَسِ الْأَقَاوِيلِ ، لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لَمْ يُرِدْ أَنَّ الْقُرْآنَ يَمُوتُ كَمَا تَمُوتُ ، إِنَّمَا يُرِيدُ: وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِحِفْظِهِ عَنْ قَلْبِكَ وَتِلَاوَتِهِ عَنْ لِسَانِكَ أَمَا سَمِعْتَ مَا وَعَدَ بِهِ مِنْ حِفْظِهِ لِلْقُرْآنِ حِينَ يَقُولُ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَلَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ الْقُرْآنَ مِنَ الْقُلُوبِ ، لَكَانَ مَوْجُودًا مَحْفُوظًا عِنْدَ مَنِ اسْتَحْفَظَهُ إِيَّاهُ ، وَلَئِنْ ذَهَبَ الْقُرْآنُ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ وَأَمَاتَ اللَّهُ كُلَّ قَارِئٍ لَهُ ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَوْجُودٌ مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ وَفِي عِلْمِهِ ، وَفِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّا نَحْنُ