فهرس الكتاب
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ عَيَّرَ قَوْمَهُ بِعِبَادَةِ مَا لَا يَنْطِقُ حِينَ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ، أَيْ كَيْفَ يَكُونُ مَنْ لَا يَنْطِقُ إِلَهًا ؟ فَلَمَّا أَسْكَتَهُمْ بِذَلِكَ وَبَّخَهُمْ فَقَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ، فَأَيُّ خَيْرٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَنْطِقُ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ ، فَإِنَّمَا يَدُورُ الْجَهْمِيُّ فِي كَلَامِهِ وَاحْتِجَاجِهِ عَلَى إِبْطَالِ صِفَاتِ اللَّهِ لِيُبْطِلَ مَوْضِعَ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ وَالْمَنْعِ وَالْعَطَاءِ ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ وَيُدْحِضَ حُجَّتَهُ ، فَتَفَكَّرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فِيمَا اعْتَقَدَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ وَقَالَتْهُ وَجَادَلَتْ فِيهِ وَدَعَتِ النَّاسَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمَا وَعَقْلًا وَوَهَبَ لَهُ بَصَرًا نَافِذًا وَذِهْنًا ثَاقِبًا ، عَلِمَ بِحُسْنِ قَرِيحَتِهِ وَدِقَّةِ فِطْنَتِهِ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ تُرِيدُ إِبْطَالَ الرُّبُوبِيَّةَ وَدَفْعَ الْإِلَهِيَّةَ ، وَاسْتَغْنَى بِمَا يَدُلُّهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَتُنَبِّهُهُ عَلَيْهِ فِطْنَتُهُ عَنْ تَقْلِيدِ الْأَئِمَّةِ الْقُدَمَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْعُقَلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ زَنَادِقَةٌ ، وَأَنَّهُمْ يَدُورُونَ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ لِذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَهْلُ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ وَوَرَعٍ وَدِيَانَةٍ ، فَإِنَّ مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ وَجَدَ الْأَمْرَ كَمَا قَالُوا ، فَإِنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ مَا تَكَلَّمَ قَطُّ وَلَا يَتَكَلَّمُ أَبَدًا ، فَجَحَدُوا بِهَذَا الْقَوْلِ عِلْمَهُ وَأَسْمَاءَهُ وَقُدْرَتَهُ وَجَمِيعَ صِفَاتِهِ ، لِأَنَّ مَنْ أَبْطَلَ صِفَةً وَاحِدَةً ، فَقَدْ أَبْطَلَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا ، كَمَا أَنَّهُ مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ . وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُرَى فِي الْقِيَامَةِ ، فَمَا بَالُهُمْ لَا يَأْلُونَ أَنْ يَأْتُونَ بِمَا فِيهِ إِبْطَالِهِ وَإِبْطَالِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ؟ وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ مَا كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَلَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ، وَلَا هُوَ عَلَى عَرْشِهِ . وَقَالُوا: إِنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ لَمْ تُخْلَقَا بَعْدُ ، ثُمَّ قَالُوا: إِنَّهُمَا إِذَا خُلِقَتَا فَإِنَّهُمَا تُبِيدَانِ وَتَفْنَيَانِ . وَقَالُوا إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ لَا يُعَذَّبُونَ إِبْطَالًا لِلرُّجُوعِ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا مِيزَانَ ، وَلَا صِرَاطَ ، وَلَا حَوْضَ ، وَلَا شَفَاعَةَ وَلَا كُتُبَ ، وَجَحَدُوا بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، وَبِالرَّقِّ الْمَنْشُورِ ، وَبِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، فَلَيْسَ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ يَسْمَعُهُ مَنْ يَفْهَمُهُ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْإِبْطَالِ وَالْجُحُودِ بِجَمِيعِ مَا نَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ وَجَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْمَعُ ، وَلَا يُبْصِرُ ، وَلَا يَغْضَبُ ، وَلَا يَرْضَى وَلَا يُحِبُّ ، وَلَا يَكْرَهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ، وَكُلُّ مَا ادَّعُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَانْتَحَلُوهُ فَقَدْ