يديك من الجنة والنار وأنت صائرة إلى إحداهما على القرب فمالك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم وعساك اليوم تختفين أو غدًا وأراك ترين الموت بعيدًا ونراه قريبًا , أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب , وأن البعيد ما ليس بآت , أما تعلمين أن الموت يأتى بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة ومواطأة , وأنه لا يأتى في شتاء دون صيف ولا في صيف دون شتاء ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار , ولا يأتى في الصبا دون المشيخ ولا في المشيخ دون الصبا , بل كل نفس يمكن أن يأتيها الموت بغتة فإن لم يكن الموت فجأة فالمرض لا محالة فجأة ثم إن المرض يفضى إلى الموت فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب من حبل الوريد ..
فهكذا معاملة أهل الزهد والعبادة في عتاب أنفسهم وتوبيخها فإن مطلبهم من المناجاة والاسترضاء ومقصودهم من المعاتبة التنبيه والاسترعاء , فمن أهمل المعاتبة والمناجاة لم يكن لنفسه مراعيًا , يوشك ألا يكون الله تعالى عنه راضيًا [1] .
(1) 1 - الإحياء (4/ 517) .