كيف بك إذ رأيتهم وقد اسودت وجوههم فهي أشد سوادا من الحمم.
وعميت أبصارهم، وابكمت ألسنتهم، وقصمت ظهورهم، ومزقت جلودهم، وغلت أيديهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم، يمشون على النار بوجوههم ويطئون حسك الحديد بإحداقهم.
ينادون من أكنافها ويصيحون من أقطارها:
(يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك قد تفتت من الكبود، يا مالك العدم خير من هذا الوجود) .
ومالك هو خازن النار فيجيبهم بعد ألف عام بأشد وأقسى خطاب وأغلظ جواب:
( إنكم ماكثون ) .
فينادون ربهم وقد أشتد بكائهم وعلا صياحهم وارتفع صراخهم معترفين بذنوبهم وأنهم ضالين ويطلبون الخروج ليعملوا صالحًا ! !:
(قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ) .
فلا يجيبهم الجبار جل جلاله إلا بعد سنين، فيجيبه بتوبيخ أشد من العذاب:
( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) .
ويومئذ تكون الندامة والحسرة يوم لا تنفعهم ندامة و لا حسرة على عدم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولَ ، وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلَ ، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا ) )
حتى الأصحاب بل الإخلاء التي تخللت مودتهم القلوب تنقلب هذه الخلة إلى عداوة لأنها كانت باطلة لا يرضاها الله ، ليست على وفق الشريعة . فقال تعالى (( الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) )
ويتوسلون الله أن يخرجهم من النار ليعودوا ليعملوا صالحًا ولكن هيهات (( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ) )فيجيبهم المولى سبحانه (( قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ) ).
وغير ذلك الكثير والكثير حتى إنهم من فرط العذاب الذي حل بهم يتمنون الموت ليتخلصوا