في زيارتي الأخيرة لمصر (كان ذلك في صيف سنة 1979) تلقيت أكثر من ألف سؤال حول موضوع واحد: هل الجاهل معذور أم لا؟ وكنت أقول سبحان الله، وهل الجاهل مكلف؟! والله يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ويقول تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} فكيف يكون الجاهل مكلفا قبل وصول العلم له؟! ولكن من فروع المشكلة (فتنة التكفير) أن كل إنسان على ظهر الأرض الآن مكلف بفروع الشريعة، ومسائل الإيمان وقضايا التوحيد صغيرها وكبيرها سواء أوصلت سمعه أم لم تصل، عرفها أم لم يعرفها، فالحجة قائمة على الجميع بلا استثناء، ولا عذر لأحد قط، وكنت أقول لهؤلاء الذين يردون مثل هذا القول سأعرض على أحدكم عشرات المسائل في التوحيد وأصول الدين أنتم تجهلونها الآن، فهل أنتم كفار بهذا؟!
ولقد كان أيضا من آثار القول بالكفر بإطلاقه القول بحرمة التعامل مع المجتمع، ووجوب العزلة عنه، والبدء في الدعوة إلى الإسلام من جديد كما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الجاهلية الأولى، بل لقد كان من آثار هذه الفتنة العقائدية ظهور الفتن الدموية التي تستباح فيها دماء كثير من المسلمين الغافلين.
ولهذا رأيت من واجبي تحديد البيان لرفع هذه الغمة -بحول الله ومشيئته- بعد أن كنت قد كتبت فصولا عن ذلك في كتاب الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وكتاب الولاء والبراء -نفع الله بهما من شاء من عباده- وكذلك أصدرنا بحمد الله رسالة (الطريق إلى ترشيد حركة البعث الإسلامي) التي كان لها قبول طيب بحمد الله وتوفيقه.
وهأنذا أجمع هذه الفصول لتكون بين أيدي الأخوة الحريصين على جمع وحدة هذه الأمة، ورفع لوائها، والوصول بها إلى المكانة التي يحبها الله لها وهي العزة والتمكين.. (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) .
وأسأل الله أن يتقبل عملي هذا ويرزقني فيه الإخلاص والتوفيق إنه سميع مجيب.