الصفحة 205 من 524

إن لم يقم أحدُهما بيّنة ففيها الأحكام التالية:

أن ما يصلح للرجل وحدَه حُكِمَ له به أو لورثته إن كان هو المتوفَّى.

أن ما يصلح للمرأة حكم لها به أو لورثتها إن كانت هي المتوفَّاة.

أن ما هو صالح للرجال والنساء؛ يحكم فيه للحي منهما؛ لأن يده منهما أسبق إلى المتاع؛ لأن الوارث تثبت يده بعد موت المورث، فيقع به الترجيح كما يقع بالصلاحية للاستعمال، بل هو أولى؛ لأن لليد رجحانًا مطلقًا؛ ولذا يرجّح به في غير هذا الباب بخلاف الصلاحية؛ ولأن يدّ الحي منهما يد نفسه، ويد الوارث خلف عن يد المورث، فلا يعارض الأصل (1) .

الثالث: بين ورثة الزوجين فلها الأحكام السابقة إلا في ما صلح لهما، فالقول فيه لورثة الزوج (2)

(1) وقال أبو يوسف - رضي الله عنه: يدفع للمرأة في المشكل ما يجهز به مثلها، والباقي للزوج مع يمينه ولورثته بعد موته. وقال محمد - رضي الله عنه: ما يصلح لأحدهما فهو له وما يصلح لهما، فهو للزوج. ينظر: الهداية 8: 237، والبدائع 2: 309، وغيرهما.

(2) هذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - ومحمد - رضي الله عنه -، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه: القول قول ورثة المرأة إلى قدر جهاز مثلها، وقول ورثة الزوج في الباقي. ينظر تفصيل أحكام المتاع: الهداية 8: 236-237، وبدائع الصنائع 2: 309-310، و الدر المختار 5: 563، ورد المحتار 5: 563، والأحوال الشخصية لقدري باشا 1: 180-181، وشرح الأحكام الشرعية 1: 179-181، وغيرهما.

ومن الأمور المتعلقة بالمهر ضمان المهر وهلاكه واستهلاكه، ورأيت من المناسب بيانهما في الهامش للمتبصرين، وابتعادًا في التشويش على القارئين:

المطلب الثالث عشر: ضمان المهر:

أولًا: تعريفه:

الأول: لغة: من ضَمِن المال: أي التزمه، وكَفَلَه له.

الثاني: شرعًا: هي ضمّ ذمّة إلى ذمّة في المطالبة بالدين أو بغيره. وهذا معنى الكفالة

والزوج مدين لزوجته في المهر؛ إذ هو الملزم بدفعه، فإذا ضَمِنَه شخصٌ صحَّ هذا الضمان سواء كان الضامن أجنبيًا من الزوجين، أو وليًا لأحدهما، أو لهما، حسب الأحكام التالية.

ثانيًا: أحكام ضمان المهر، وله وجهان:

الوجه الأول: أن يكون الضامن أجنبيًّا وأدَّاه للزوجة يرجعُ به على الزوجِ إذا كان الضمان بأمره، فإن لم يكن بإذنه فلا يأخذ منه شيئًا جبرًا، كما مر في الوكالة: لما عرفته ممَّا تقدم.

الوجه الثاني:أن يكون الضامن وليّ الزوجين أو وليّ أحدهما،وله صورتان:

الصورة الأول: حكم الضمان، وله حالان:

الحال الأول: أن يكون الضمان في حال صحته، فإنه صحيح سواء كان المكفول له وارثًا أو غير وارث، سواء كان الزوج كبيرًا أو صغيرًا وينفذ الضمان من كل ماله؛ لأن الوليَّ من أهل الالتزام. ويشترط قبول الزوجة إن كانت مكلّفة أو وليها إن لم تكن مكلفة في مجلس الضمان إن كان الضامنُ وليّ الزوج كغيره من الكفالات ( ) ، أما إن كان الضامن ولي الزوجة فلا يشترط قبول أحد في المجلس؛ لأن إيجابه يقوم مقام القبول عنها.

الحال الثاني: أن يكون الضمان في حال مرضه، وله صورتان:

الأول: أن يكون المكفول له (الزوجة) ، أو المكفول عنه (الزوج) وارثًا للضامن؛ فلا يصحّ إلا إذا أجازته الورثة؛ لأن الضمانَ في مرض الموت يعتبر وصيّة، ولا وصيّة لوارث. أما إذا انحصر إرث الضامن في المكفول له أو عنه فإنه صحيح؛ لأن المنع لحق الورثة، ولم يوجد سواه.

الثاني: أن يكون المكفول له والمكفول عنه غير وارث له، يصحّ الضمان من ثلث المال بلا إجازة الورثة، ومن كلِّ المال بإجازتهم، فإذا زوَّجَ رجلٌ له ابنٌ ابنَ أخيه الذي هو وليّه، وهو مريض، بنتَ رجل آخر بألف دينار مثلًا، وضَمِنَ المهر عنه، فإن أجاز ابنُه هذا الضمانَ نفذَ من كلِّ المال، وللمرأة أخذ هذا المهر من كلِّ ماله؛ لأن الابنَ الذي هو مستحقّ أسقطَ حقَّه، وإن لم يجزه نفذَ من ثلث مال الضامن؛ لأن ابنَ الأخ في هذه الحالة غيرُ وارث إذ هو محجوب بالابن.

والمكفولُ له مخيَّرٌ في أخذ دينه ممَّن أرادَ من الكفيل أو الأصيل، فالمرأة إن كانت بالغة فهي مخيَّرةٌ في هذا، فلها أن تطالب زوجَها بعد بلوغه أو الضامن، سواء كان وليّه أو وليّها متى كان الضمان صحيحًا، سواء كان الزوج صغيرًا أو كبيرًا، ومثله الزوجة.

الصورة الثانية: حكم الرجوع على المكفول له، وله حالان:

الحالة الأول: إن زوَّجَ الأبُ ابنَه الكبير وضَمِنَ مهر امرأته وأداه لها، فإنه يرجع على ابنه إن ضمن بإذنه سواء أشهدَ أو لم يشهد.

الحالة الثانية: إن زوَّج الأبُ ابنَه الصغير، ولها وجهان:

الأول: إن كان للابن مال طولب الأبُ بدفع المهر منه سواء ضَمِنَ أو لم يضمن؛ لأنه له الولاية في مال أولاده الصغار، وما دام لهم مال فلا يلزمه شيء لهم حتى النفقة عليهم، فإنّها تكون في مالهم.

الثانية: إن لم يكن للابن مال بأن كان فقيرًا، فإن لم يضمن المهر عنه فلا يطالب به؛ فإن ضَمِنَ المهرَ وأدّاه للزوجة فلا يرجع على ابنه عند بلوغه استحسانًا؛ لأن الآباء يتحمَّلون المهورَ عن أبنائهم عادةً ولا يطمعون في الرجوع، والثابت بالعرف كالثابت بالنصّ، إلا إذا شرط الرجوع في أصل الضمان أو عند التأدية، فحينئذٍ يرجع؛ لأن الصريحَ يفوق الدلالة: أعني دلالة العرف ( ) . وهذا إذا لم يكن للابن دين على أبيه، أما إذا كان الأب مديونًا لابنه، ثم قال بعد ذلك إنما أدّيت مهره عن دينه الذي عليّ صُدِّق.

وإذا مات الأب قبل أداء المهر للزوجة فلها الخيار إن شاءت أخذت المهر من الزوج، وإن شاءت استوفت ذلك من تركة الأب؛ لأن الكفالةَ كانت صحيحةً فلا تبطل بالموت، ثمّ إذا استوفت من التركة رَجَعَ باقي الورثة بذلك في نصيب الابن إن لم يكن استلمه، فإن كان قبضه رجعوا عليه؛ لأن هذه الكفالة صدرت بأمر معتبر من المكفول عنه؛ لثبوت ولاية الأب عليه، فإذن الأب إذن معتبر، وإقدامه على الكفالة دلالة على ذلك من جهته، بخلاف ما إذا أدّى عنه في حال حياته؛ لأن تبرّعَ الآباء بالمهر معتاد، وقد انقضت الحياة قبل ثبوت هذا التبرّع فيرجعون، وكذا يرجعون إذا أدّى في مرض موته ولو كان الضمان في حال الصحّة، فإن كان الضمان في مرض الموت، فهو باطل؛ لأنه وصية، ولا وصية لوارث إلا بإجازة باقي الورثة. ينظر: المصباح ص365،والمغرب ص285، والمبسوط 6: 11، والتبيين 4: 146، والهداية 7: 163، والبحر الرائق 187، والجوهرة النيرة 2: 9، ومجمع الأنهر 1: 352، ورد المحتار 2: 357، وفتح القدير 3: 369، والبحر الرائق 3: 187-188، ومنحة الخالق 3: 187، وشرح الأحكام الشرعية 1: 149-155، وغيرها.

المطلب الرابع عشر: هلاك المهر واستهلاكه واستحقاقه، وفيه أمران:

الأمر الأول: إن كان المهر غيرَ متعيِّن بالتعيين:

فإنه لا يتأتى فيه أحكام الهلاك والاستهلاك والاستحقاق؛ لأنه إذا تزوَّجها على ألف دينار مثلًا، وضاعت أو سرقت أو استحقت لغيره؛ فلا يترتب شيء من هذه الأحكام على الزوجة؛ لأن حقَّها لم يتعيَّن في شيء مخصوص، وإنّما هو قائمٌ بذمّة الزوج، فهو ملزمٌ بتسليمه لها.

الأمر الثاني:إن كان المهرُ متعيِّنًا بالتعيين،كأن يكون مهرها شقة أو بيتًا أو سيارة،فله وجهان:

الوجه الأول: إن قبضت الزوجة المهر من الزوج، ففيه الأحكام التالية:

إن هلكَ: أي زوال من غير أن يكون لأحدٍ من الخلق مدخلٌ في ذلك. فلا ترجع على أحدٍ بشيء؛ لأنه سلَّمَها، وقد هلك تحت يدها.

إن استهلك: أي زوال أيضًا ولكن بسبب التعدّي عليه، وفيه حكمان:

إن كانت المستهلكة له الزوجة، فلا ترجع على أحد.

إن كان غيرها ترجعُ على ذلك الغير بمثله إن كان مثليًا، وبقيمته إن كان قيميًّا، سواء كان هو الزوج أو غيره؛ لأنه تعدّى على ملكِها.

إن استحقّ: أي ظهور الشيء مملوكًا لغير مَن ملكه، وفيه وجهان:

إن استحق الكل، ترجع على الزوج بالمثل أو بالقيمة.

إن استحق البعض، وفيه حكمان:

إن كان مثليًا فلا حقّ لها إلا في أخذ بعضه، والرجوع على الزوج بمثل بعضه المستحق.

إن كان قيميًّا، خيِّرت بين أمرين:

أخذ قيمة بعضه من الزوج، وتصير شريكة للمستحقّ.

أخذ قيمة الكلِّ من الزوج، وهو يشارك المستحقّ؛ لأن الشركةَ عيبٌ في القيمي لا المثلي، وهي استحقّت الشيء وحدها، فإذا طرأت الشركة بالاستحقاق تضرَّرت، فتخيَّر؛ إذ الخيار ينفي الضرر.

ومحل تخييرها في القيمي بين الأمرين المتقدّمين إذا لم يطلّقها قبل الدخول، فإن حصلَ ذلك فلا حقّ لها إلا في أخذ النصف؛ لأن الشركة حاصلةٌ سواء استحقّ النصف أو لم يستحق؛ إذ الزوج مستحقّ للنصف بالطلاق قبل الدخول، فهو مشتركٌ على كلِّ حال سواء كان الشريك هو الزوج أو المستحق، فلا يثبت به لها التخيير.

الوجه الثاني: إن لم تقبض الزوجة المهر من الزوج، ففيه الأحكام التالية:

إن هلك فإنّها تأخذ منه مثله إن كان مثليًا أو قيمته إن كان قيميًا؛ لأنه مضمونٌ عليه ما لم يسلمه لها، ولا تبرأ ذمته من ضمانه إلا بالتسليم.

إن استهلك، وفيه ثلاثة أحكام:

إن كانت المستهلكة له الزوجة، فلا ترجع على أحد.

إن كان المستهلك له الزوج ، رجعت على الزوج بالمثل أو القيمة.

إن كان المستهلك له أجنبيًا خيِّرت بين أمرين:

أن تضمِّنَ الزوج مثله أو قيمته، وهو يرجع على المستهلك بها.

أن تأخذ ما ذكر من المستهلك له، وحينئذٍ تبرأ ذمّة الزوج.

3.إن استحقَّ رجعت على الزوج ببدله، ويكون له نفس أحكام الاستحقاق السابقة. ينظر: المبسوط 5: 97، وفتح القدير 3: 388، والفتاوى الهندية 1: 316، وشرح الأحكام الشرعية 1: 155-157، ومجمع الضمانات ص347، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت