ملحق (1)
مقدمة:
إنّ الشرقَ والغربَ انبهروا بحال المسلمين الأوائل وعجزوا عن تفسير مصدرَ تفوقهم وقدرتهم؛ إذ أنهم استطاعوا في حدود عقدين أن يبنوا دولة عظيمة، مترامية الأطراف، ويؤسسوا لأعظم حضارة عرفها التاريخ البشري، بعد أن لم يكن لهم ذكر؛ لتفرقهم في الصحراء، واشتداد النزاع بينهم، وتمكُّن عدوهم منهم.
فأخذ الدارسون لهذا الحدث الكبير يرجعونه على حسب أحوالهم وحضاراتهم إلى أسباب مادية وجنسية وغير ذلك، وهيهات أن يكون لذلك دور، فلم يختلف على هؤلاء العرب إلا قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتربيته لهم خير تربية، وتمسكهم بهديه - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا حريصين كل الحرص على الامتثال لما جاء به هذا الدين، والانتهاء عمّا نهى عنه؛ لأنهم جرَّبوا طريق الضلال، وعرفوا مصيرها في الدنيا والآخرة، وذاقوا لذّة الإيمان، وشعروا بعزّة الإسلام، ولمسوا تأثيره العظيم على سلوكهم.
ولذلك فإن السبب فيما كان عليه المسلمون من العزّة والقوة والمنعة، هو ثقتهم بإسلامهم واسترشادهم بهدي ربهم جل وعلا، ومتابعتهم لسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، حتى في آخر خلافة إسلامية كانت لهم، وهي الخلافة العثمانية، فإنّ المتابع لتاريخها يجد أن ملوك ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها من الدولة الغربية كانوا يتسابقون في تقديم الولاء للباب العالي.
وطرح هذا الكلام ليس محلُّ بحثنا هنا، وإنما ذكرته للتدليل على أنه لا خير لنا في الارتقاء في حياتنا اليومية على مستوى الأفراد أو الأسر أو الجماعات وبناء حضارة نباهي بها من حولنا، ويسجلها التاريخ لنا إلا بحفظنا لديننا، وامتثالنا لشرع ربنا، فإن الله - عز وجل - خلق الإنسان وهو أعلم به من غيره، فيعلم ما يسعده وما يتعسه، وهو لا يرضى له إلا الحسنى، فشرع له ما يناسب حاله وينسجم مع طبيعته.