حظى الهمداني بمكانة رفيعة في زمنه وبعده أهلته لها معارفه الجمة المتنوعة . فقد كان مؤرخا ولغويا ونحويا وشاعرا ونسابة وقارئا للمساند الحميرية وعالما بالفلك والهندسة . وقد وجدنا رجالات عصره يحرصون على تقريبه وتكريمه ورفع منزلته ، من هؤلاء أبو جعفر أحمد بن محمد بن الضحاك الهمداني ، ومحمد بن الحسن بن أبي العباس الخولاني ، وإسماعيل ابن إبراهيم النبعي الحميري ، وابن الروية المرادي (2) ، وابن زياد صاحب زبيد وقد فصل القفطي (ت 626هـ) القول في المنزلة الرفيعة التي تبوأها فقال:"كان رجلا محسدا في أهل بلده ، وارتفع له صيت عظيم وصحب أهل زمانه من العلماء وراسلهم وكاتبهم . فمن العلماءالذين كان يكاتبهم ويعاشرهم أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري ، وكان يختلف بين صنعاء وبغداد ، وهو أحد عيون العلماء باللغة والعربية وأشعار العرب وأيامها ، وكذلك أبوه القاسم .. وكان يكاتب أبا عمر النحوي صاحب ثعلب ، وأبا عبد الله الحسين بن خالويه" (3) .
وكان القفطي شديد الإعجاب بالهمداني ، كثير الثناء عليه ، ومما قاله فيه:"نادرة زمانه ، وفاضل أوانه ، الكبير القدر،الرفيع الذكر،صاحب الكتب الجليلة والمؤلفات الجميلة ، لو قال قائل إنه لم تخرج اليمن مثله لم يزل ، لأن المنجّم من أهلها لاحظ له في الطب ، والطبيب لا يد له في الفقه ، والفقيه لا يد له في علم العربية وأيام العرب وأنسابها وأشعارها ، وهو قد جمع هذه الأنواع كلها وزاد عليها (4) ."
وأثنى عليه كذلك علي بن الحسن الخزرجي المؤرخ (ت 812هـ) بقوله:"هو الأوحد في عصره ، الفاضل على من سبقه ، المبرز على من لحقه ، لم يولد في اليمن مثله علمًا وفهمًا ، ولسانًا وشعرا ، ورواية وفكرا ، وإحاطة بعلوم العرب من النحو واللغة والغريب والشعر والأيام والأنساب والسير والمناقب والمثالب ، مع علوم العجم من النجوم والمساحة والهندسة والفلك" (1) .