من المعلوم أن النقاش حول كون أصل الشعر الدوري الأندلسي ، أي التوشيح والزجل، عربيا أو أعجميا ، كان ولا يزال من أهم ميادين الجدال الأدبي في قرننا هذا، إن لم يكن أهمها جميعًا ، وإنما ذلك لسببين رئيسيين ، أحدهما أن الأخبار الموثوق بها عن تلك الأصول في التراث قليلة غامضة، وثانيهما أن هذه القضية متعلقة بقضايا ومصالح أخرى غير علمية بحتة، مما أدى إلى تفسيرات مغرضة، عن وعي أو بغيره ، منبعثة من الحماس القومي ومن الحرص على حل تلك القضية على نحو معين، ولو كان ذلك بغير مقتضى مناهج العلم الصحيح ، ولا غرو ، فإن جميع قضايا الأندلس قلما تخلو من صلة وثيقة بكل من العالمين العربي والغربي ، فلا تكاد تطرح على بساط المناقشة حتى يبادر كلا الطرفين إلى ادعاء حقه في المنازع فيه، وإن كان فيه أخذ ورد ، ولا أدلَّ على ذلك من شدة اللهجة
التي استعملها بعض الأساتذة المحترمين عند التعرض لهذا الموضوع أحيانًا، ولكأنهم باعة بضاعة أرخص من العلم الغني عن المناداة ، فضلا عن المفاصلة والمشاجرة ، ومنهم من تجاوز ذلك إلى اتخاذ حيل غير لائقة بكرامة مراتبهم كحجب المخطوطات المحتوية على الأخبار الثمينة عن زملائهم بقصد الانفراد بمنافعها والتحكم في تفسير مضمونها ، بل بنية إجراء تحقيقها على وجه متفق وميولا غير علمية ، عن طريق تحريف الأصل وعدم التصريح بالتصحيحات المفروضة فيه، إلى طرق أخرى غير مقبولة عادة لدن أهل العلم والصلاح . ومن حسن حظ العلماء العرب أن معظم ذلك إنما جرى في الغرب، فتخلصوا من خوض غمار معركة قل من سلم منها وغنم فيها ، بل قل من رجع عنها بأكثر من خفَي حُنَيْن .