يرجع ذلك طبعًا إلى أن العلماء العرب، مع طول اطلاعهم على التوشيح والزجل اللذين سموهما الفنين عادة واختصارًا ،لم يروا فيهما على مر القرون غير استنباط أندلسي طريف كانوا يعدونه من مفاخر أهل الأندلس التي شاركهم فيها المشارقة فيما بعد ، فلم يعلقوا على الأمر مزيدًا من الأهمية ، إذ رأوا المغاربة والمشارقة أجمعهم عربًا ، وحسبوا تراث الجميع تراثا واحدًا لم يختص ببعضه بعضهم دون بعض ، وهو رأي سديد قد أثبت صحته ما أسفر عنه النقاش في هذه الفترة الأخيرة ، ولا بأس على كل حال بهذا النقاش الذي زادنا يقينا ببراهين وأدلة ما كنا لنهتدي إليها لولا ما كان من النزاع .
أما العلماء الغربيون فإنهم ، عندما تعرفوا على وجود الفنين في أواخر القرن الماضي واطلعوا على عدد من نماذجهما في بعض المخطوطات المشرقية قبل المغربية، وكان رائدهم في ذلك الأستاذ الألماني هارتمان ، فسرعان ما لاحظوا الفوارق البنيوية الواقعة بينهما وبين الشعر العربي المُقَصَّد ، فتبادر إلى عقول بعضهم أنها عسى أن ترجع إلى أصلهما الأندلسي، وليس هذا بعيدًا عن الصواب كل البعد كما سنبينه فيما يلي ، وظن بعضهم أن مصدر ذلك الاستنباط الغريب إنما هو بقاء تراث شعبي رومنسي أو أسباني قديم ذي شأن عظيم في أراضي الأندلس،بحيث إن العوام من الملل الثلاث، أي المسلمين والنصارى واليهود، ظلوا يؤلفون ويلحنون ويغنون أغانيهم الشعبية الرومانسية الأثرية بأعاريضها الأصلية وبنيتها الدورية ومواضيعهم الخاصة بهم زعما مدة من الزمن بعد غزو العرب ، كشأنهم فيما قبله ، ثم أتى بعض الشعراء الأندلسيين المعجبين بها ، فنسجوا على منوالها الموشحات في مرحلة أولى ، بلغة عربية فصيحة ما عدا خرجاتها العامية أو الأعجمية ، ثم تجاوزوا ذلك المقدار من الجرأة والتحرر من قيود التقاليد في مرحلة ثانية ، فوضعوا الأزجال العامية من أولها إلى آخرها ، وسنرى بعد قليل أن هذا التخمين خاطئ .