للأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله
... يمكن أن نصنف مثقفي الجزائر خلال القرن التاسع عشر الميلادي إلى ثلاثة أصناف: صنف يمثله الذين ابتعدوا عن التعامل مع الإدارة الفرنسية أو عزلوا أنفسهم عنها لأسباب دينية أو اجتماعية فاتخذوا الخلوة في الزوايا يتعبدون ويعلمون القرآن الكريم ومبادئ الإسلام، أو هاجروا إلى البلاد الإسلامية واستقروا فيها، وصنف ثانٍ يمثله الذين اختاروا التعاون مع الإدارة الفرنسية فوظفتهم كمدرسين وخطباء وأئمة ومعلمين وصحفيين ونواب، ولكنهم كانوا منها على حذر، يقاومون بالوسائل المتاحة تدخلها في شؤونهم الإسلامية والاجتماعية ويبتعدون عن المسائل السياسية، أما الصنف الثالث فيمثله الذين قبلوا الحكم الفرنسي لبلادهم ورحبوا به متأثرين بالثقافة الفرنسية فتصاهروا مع الفرنسيين وتبادلوا معهم المصالح، وهكذا أصبحوا داعمين لسياسة الاندماج التي تعني ذوبان الجزائريين في البوتقة الفرنسية، ورضوا بما عرضه عليهم الفرنسيون من التجنس بجنسيتهم بشرط تخليهم عن الأحوال الشخصية الإسلامية ودخولهم تحت طائلة القانون الفرنسي، وقد كان أبو القاسم بن سديرة من هذا الصنف الأخير.
حياته:
... ولد ابن سديرة في مدينة بسكرة وسط الأربعينيات من القرن التاسع عشر، وهذا يعني أنه فتح عينيه على الدنيا فوجد الاحتلال الفرنسي جاثمًا على بلدته ووطنه. وبسكرة هي بوابة الصحراء وعروس الزيبان في مصطلحات الكتاب والرحالة؛ لأنها ترقد في حضن جبال الأوراس الشماء، ولكنها في نفس الوقت منفتحة على الصحراء وواحاتها. وكانت السلطة المحلية فيها متنازعة بين عائلتين عريقتين هما: