هذه أول مرة في حياتي أكتب في التأبين ، لأنه موقف يثير في النفس شجونا وآلاما تهز النفس وتحرك المواجع الدفينة … التي نتجلد في كتمانها وهي تغلي كالمرجل في القلب ، ونخفيها، وهي تتوقد كالأتون في الحنايا، وتُذكي الذكريات، وتُوقظها في دياجير نومها، لكنها تنساب بهدوء، وتعيد أيامنا الماضية مع الصفوة الممتازة من الرواد العمالقة، الذين تركوا الفانية إلى دار الخلود، وإلى رحمة الله تعالى . إنه موقف الحزن الكئيب ، والأسى المحض ، فيه عِبرة وعَبرة . أين زملاؤنا الذين كانوا شذى تعبق فيهم جنبات المجمع، وكان الحب يرفرف بجناحيه علينا، ورفيف الود يتدفق من قلوبهم فيسعدنا لطفهم وتسرنا بشاشتهم، وتفرحنا رقة حديثهم، وفيض علمهم، ودفق ذكائهم، ولمح أذهانهم ؟
ففي كل حنية من حنايا القاهرة،وفي كل منعطف من منعطفاتها، كان لنا أحباب يملأون فراغ الروح وحرمان النفس بالدعوات والزيارات . عندما
تسعدني القاهرة وتضمني إلى صدرها الحنون . الراحلون الكرام نُذُر الموت لنا. ليس في الكون حقيقة غير الموت !
لا أدري على من أبكي؟ولمن أرثي ؟ ولكني أنوح حزنا، وأجهش حسرة وأذوب لوعة !
أأبكي على نفسي ؟ أم أبكي على الأساتذة الكرام ؟ أم على الإنسان الذي لا يحس بالقدر المحتوم ؟ أم أبكي على البشرية التي لا تعتبر ؟ أم على الإنسانية التي لا تتعظ ؟!
رحم الله الأثري، فقد أثار تأبينه في نفسي مواجع الذكريات وعميق الآلام ، وحسرات الحزن والأسى والشجون النائمة نومًا عميقا في شغاف القلب وسويداء النفس، فجدد الألم وأيقظ الحسرة .