فهرس الكتاب

الصفحة 2798 من 4462

أما نحن أسرة الراحل العزيز -من قضى نحبه منا ومن ينتظر ومن لا يزال في حجب الغيب- فقد كان وسيظل في حياتنا عملاقًا كبيرًا… كان لنا أبًا بكل ما للأبوة من جوانب لا يدركها حصر .. حتى منذ فجر شبابه، كان مثار الاعتزاز والفخر كله… إذ كان منذ تخرج في كلية الطب في أواخر العشرينيات، أول الخريجين وأصغرهم سنًّا، ثم تدرج في نبوغه وعبقريته وعلمه وعمله ونجاحه حتى حظي بعضوية مجمع الخالدين لأكثر من ثلاثين عامًا خلت - كما قدمنا - قضاها متألقًا معكم سعيدًا بينكم.

وكان في مجال الأسرة راعيًا كريمًا، يعطِي بارتياح وكأنه يُعْطَى، ويقدم في رجاء وكأنه يطلب، ويلوم على الشكر ويعده إساءة، ويبذل على نهج لم يتعوده الناس، حتى ليذهل من لا يدرك أعماق منابع الخير التي أودعها الله فيه.

وكان لنا إمامًا، علمًا، وخلقًا، وسلوكًا، له الوجه المشرق الصبيح، والابتسامة الدائمة المحبوبة، والكلمة الطيبة المختارة، والتصرف الرفيع المحسوب، وفيه القدوة والمثل الأعلى في كل حركاته وسكناته، يتعلم منه الصغار والكبار على سواء.

وكان - رحمه الله - يحب العلم ويقدره قدره، ويسعد به ويفني فيه يتعلمه في دأب ويعلمه في تواضع، وكان يقيس حياته بالساعات الهنيئة التي يقضيها بين تلاميذه في مدرجات الدراسة. سألته يومًا وقد بهرني غزير علمه الذي تجاوز الطب إلى الأدب والشعر واللغة، لماذا لا تؤلف كتبًا تعيش بين الناس؟ فقال وقد أشرقت عيناه حتى أضاءت منها أعماق روحه، إني أعيش في تلاميذي، وحين ذلك أدركت بعض سر العظمة فيه، وأنا أحاول أن أسبر أعماق الإنسانية في إنسان يتسامى ويشع علمًا وعقلًا وروحًا، حتى يستحيل نورًا يسري إلى عيره من الناس، وتذكرت قول الشاعر الإنسان عروة بن الورد:

أقسم جسمي في جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء والماء بارد

على الفارق بينهما، الفارق بين العلم والمال، وبين الروح والمادة.

أيها السادة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت