فهرس الكتاب

الصفحة 3221 من 4462

خامسًا - كلمة الأسرة

لأرملة الفقيد الراحل

يحز في قلبي أن أقف هذا الموقف و"إنا لله وإنا إليه راجعون"حين يترجّلُ الفارس عن فرسه ، تظل الفرس وحدها هناك في انتظاره غير أن فارسنا ترجل وفرسه بعد منطلقة.

لكنما الفرس كانت للفارس كل شيء كانت رفيقته الوحيدة، وجناحيه اللذين حلق بهما بعيدًا كانت هواه الذي استطاع أن يطفو فوق أديم الزمن متحررًا من قيود الفتور والملل، محملا دومًا بالسر والغموض والإثارة.

كانت العربية وحدها للفارس كل شيء؛ وقد حملته إلى عوالم ممتدة غريبة لا نهاية لها، فولجها مندهشًا وعاد منها مأخوذًا مأسورًا، وقد ملكت عليه جماح روحه.

وكان للعربية فارسها وحاميها، وقد تمكن برغم دهشته أن يدهشها كل مرة، وقد حمل من عوالمها أثمن ما تخفي، تلك الدرر التي لا تنالها إلا يد فنان ماهرة.

لكنما الاثنان - العاشق واللغة - كان يحملهما العطش دومًا، ويعيدهما دومًا في رحلة طويلة ممتعة.

وإذ ترجل الفارس؛ فإن الفرس بعد منطلقة فاللغة التي يعشق فقدته فارسًا، قائدًا، حبيبًا، لكنها لم تفقد بعد من يحملها وتحمله نحو عوالمها المدهشة التي لا تنفك تأتي بالجديد الجديد، وتجود بأكثر مما يجود به حاتم الطائي.

أيها الأحبة، إن الكلمات لتبخل أحيانًا، لتشح فجأة؛ إذ ننشد تبليغ ما يعتمل في نفوسنا من مشاعر دفاقة، إذ كيف لنا أن نوفي مجمع اللغة العربية في القاهرة حقه من العرفان والشكر وقد شمخ محتضنًا واحدًا من أبرز فرسانه، مقدرًا غيرته على العربية... فكرمه أحسن ما يكون التكريم. ووفاه حقه، وأحله منزلته من الثناء والتقدير.

أيها الأعزاء لا تسعف الكلمات كثيرًا في مثل هذا الموقف بل إنها

لتتراجع رويدًا رويدًا أمام الصمت الذي يمتد صادقًا ، عنيفًا، مربكًا ، معلنًا حقيقة لا فكاك منها؛ بأن أصدق ما يقال: لا تقوله الكلمات.

أرملة الفقيد الراحل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت