وكنت أتمتع حين أناقشه في مسألة في القانون كنت أُعد نفسي للمناقشة كأنها مناقشة رسالة علمية لكي أقارعه الحجة بالحجة، وكان سعيدًا بهذا فهو معلم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ولا أقصد بكلمة المعلم هنا ما كان يحمله من علم أخذته عنه أجيال وأجيال بل أقصد أيضا السلوك الشخصي والقيم والجدية والإتقان والعمل وعدم التسرع في إبداء الرأي، وأن ينمو أخوه الأصغر منه مستقلاًّ بشخصيته. وأضرب مثلًا على ذلك فقد كان عز الدين عازفًا عن الاشتغال بالسياسة لما جلبته على أسرتنا من ويلات، فقد عانت أسرتنا الكثير من الاشتغال بالسياسة منذ أيام الخديوي إسماعيل أي أيام اعتقال جدنا إسماعيل صبري عبد الله، ولكن لم يمنعني من إبداء الرأي، و أن أكون صاحب رأي حر وأدافع عنه بشرط أن يكون هذا الرأي مؤثرًا وليس عاطفة عابرة وليس وليد الوقت أو نتيجة جلسة مع الأصدقاء وكان أيضًا نموذجًا للأستاذ الجامعي الحريص على مكانته العلمية. ومثال ذلك عندما كنت في ليسانس الحقوق جامعة عين شمس قامت بيني وبين زميلي الدكتور شمس الدين الوكيل -رحمه الله- منافسة على المركز الأول وكان أن يكون ترتيبي الأول هو عهد قطعته على نفسي لأن المرحوم عز الدين حاول أن يغريني بدراسة الطب فقلت له في أحسن الظروف سوف أكون طبيبًا في الريف.
ولكن لو دخلت كلية الحقوق سوف أكون الأول وأسافر بعثة وأكون أستاذًا في الجامعة فاقتنع ولكن بشرط ألا أذكر لأحد في الكلية أنني شقيق الدكتور عز الدين إلا بعد أن أكون الأول، فربى هذا في نفسي الاعتزاز، وحين حققت هذا الهدف فكل من يسألني هل أنت شقيق الدكتور عز الدين فأقول لا الدكتور عز الدين هو شقيقي فكان -رحمه الله- سعيدًا بذلك. فخسارتي الشخصية فيه ضخمة جدًّا فالعلاقة بيني وبينه كانت أكثر من مجرد علاقة أخوة فإذا كان الله قد
وفقني في عملي العلمي فهذا يرجع إليه.