وحين تُوّجت الرحلة الثرية باختياره عضوًا في مجمع اللغة العربية. ثم اختياره مقررًا للجنة الأصول، كان ذلك بمثابة الفصل الأخير في كتاب حياته العلمي واللغوي، الكاشف عن عقليته المتمسكة بالتيسير والتطوير، المتابعةِ لما قام به السلف المجمعي العظيم من جهود ومنجزات في مجال أصول اللغة من اشتقاق ونحت وقياس ومجاز - في محاولة دائبة لتطوير اللغة وإثرائها وتنميتها وتطويعها لمطالب العلوم الحديثة والحضارة. وهي جهود توضح كيف أن البحوث اللغوية المتعمقة تؤدي إلى أقيسة جديدة من شأنها الوفاء بمتطلبات حياتنا اللغوية والثقافية المعاصرة. وكان أكثر ما يُحزن الراحل الكريم أن يجد معارضة لاتجاهه واتجاه لجنة الأصول المجدِّد، الذي كان يريد به وَصل ما انقطع من عمل السلف المجمعي، ووصلًا للدراسة اللغوية بواقع اللغة في حياة المجتمع. وكان أشدَّ ما يصدمه ويستثيره ما يُقال في معرض الاحتجاج لعدم قبول كثير مما تعرضه لجنة الأصول من أفكار وتوصيات، من أن قبول هذه الأفكار من شأنه أن يتسبب في بلبلة المتعلمين والناشئة، وتغيير ما في الكتب المدرسية من قواعد مستقرة لا ينبغي الاقتراب منها. وكان يضرب لي المثل دائمًا بقرار سابق للمجمع يرى فيه إجازة إلحاق تاء التأنيث بفَعول بمعنى فاعل فيقال: امرأة عجوز وعجوزة وصبور وصبورة، وقرار بتأنيث صيغة فعلان بالتاء وجمعها جمعي تصحيح بحيث يقال باطراد في تأنيث مثل غضبان: غضبانة، وفي جمع غضبان: غضبانون كما تصنع العامية، وفي جمع غضبانة: غضبانات. وبالمثل يقال عطشان وعطشانة وعطشانون وعطشانات. وما أقره المجمع من جواز تقديم لفظ النفْس أو العين على المؤكد فيقال: نفسُ المصدر أو في نفْسِ المصدر كما يقال هذا عيْنُ ما قلت، وما ذكرته في عيْن الوقت المناسب. وما قرره المجمع من إجازة جمع فاعل للمذكر العاقل على فواعل مثل: حادث وحوادث، وغامض وغوامض، وساقط وسواقط، وناشئ ونواشئ، وباسل وبواسل، وناجع ونواجع