فهرس الكتاب
ولم يكن قوله هذا نابعًا من عاطفة جياشة فقط بل مؤسسًا على حقيقة علمية وردت بين كلماته المأثورة عن تعريب التعليم بالكليات الجامعية العلمية حيث يقول:"إن تلقي العلم بلسان أجنبي كارثة بعيدة المدى لإعاقة التقدم الحضاري، ودعوة مرذولة لنشر التبعية والانتماء الفكري وجريمة في حق اللغة العربية". وكذلك كان له أسلوبه المتميز في كيفية اختيار ووضع المصطلح العلمي العربي، إذ يرى ضرورة أن يكون"أسلوبها وحيد الدلالة لا يقبل الإيحاء أو الغموض أو اللعب بالألفاظ تحت أي مسمى".
وإذا كنت قد تحدثت عن الجوانب العلمية والثقافية في حياة الأستاذ الدكتور هدارة فيجب ألاّ أنسى ذكر سماته الشخصية. ويكفي أن أقتبس هنا ما ذكرته قرينته الفاضلة في حفل تأبينه. فقد قالت:"عرفناه نحن رب أسرة، زوجًا وأبًا وأخًا معطاء حنونًا متفائلًا دومًا، لا يعرف إلا الصدق والوضوح … ولم يكن ليبخل أبدًا على أحد بأي عون مهما كانت طبيعة هذا العون. فقد كانت سعادته في إسعاد الآخرين وتيسير حياتهم إن استطاع".
سيداتي سادتي:
إن اللغة - كما يقال - هي وعاء الثقافة الأكبر. ولست في حاجة أن أذكر أمام حضراتكم أنها أيضًا من مقومات ومتطلبات تقدم الشعوب ورقيها. ويشكو بعض الاقتصاديين العرب - في زعمهم - من قصور اللغة العربية عن مواكبة التحديث والتطوير في الاقتصاد. وهذا زعم خاطئ يرجع أساسًا إلى أمرين اثنين:
أولهما: الابتعاد عن لغتنا العربية وعن قراءة أمهات الكتب التي وضعها العلماء العرب الأوائل في مجال الاقتصاد كالماوردي، وأبي يوسف، والكسائي، وابن خلدون، وابن عابدين وغيرهم.
وثانيهما: أن المصطلحات والمفاهيم الخاصة بالاقتصاد ترتبط بالبيئة التي تمت بها. وقد حدث التطور والتقدم في علم الاقتصاد في غير البلاد العربية وبلغات أجنبية، وكلما تأخرنا عن مواكبة ركب التقدم تباعدت الشقة بين لغة الاقتصاد الحديث والمصطلحات العربية المناظرة.