... ... ولما كانت اللغة على هذا النحو من الأهمية: وسيلةً إنسانيةً أُولى في التعبير والتوصيل عن الفكر أو المضمون، فقد وجدنا شعوب الأرض كافة تعنى باللغة، وتسعى إلى فهم طبيعتها والحفاظ على خصائصها، فتتخذ الوسائل الواقية لحمايتها؛ لأنها تمثل الهوية المميزة التي ينبغي للخلَف أن يرثها عن سلفه، أيًّا كانت الأحوال!.
وإذا كان الأمر كذلك فليس غريبًا أن أقول: إن التمسك باللغة يشكل فطرة إنسانية لا ترتبط بلون أو جنس، ولا بجهالة أو عِلْم، فهو من الخصائص التي لا تمايز فيها بين بني البشر في مختلِف مواطنهم؛ وقد تحادثت وبعضًا
من الهنود الحمر في أمريكا عن توقعي لانقراض لغتهم وبالتالي ذوبانهم في يومٍ ما، مبررًا ذلك بقلة عددهم، وضعف إمكاناتهم، واختلاطهم بالكثرة من حولهم: تَمْلك العلم والسيطرة، ورغم إحساسي باقتناع مَنْ حدثتُ بما سمع؛ لأنه يحياه واقعًا عبر عنه زعيمهم - في"ياكما"- لسانًا ممتعضًا من بني جلدته: يهجرون الموطن الأصل بحثًا عن الدعة والحضارة، - كان رده الذي حمل في طياته التصميم على الحفاظ على هويته اللسانية، أيًّا كانت الظروف، ولو أدت إلى نشرها لغة ثانية، إنها تجربة - كما حدَّثَ مازحًا - خاضها اختبارًا في الجامعة، حيث اختارها اللغة الثانية يُمتحن فيها بعد لغة الكثرة الغالبة الأولى!.
... ... والعرب أمةٌ ضاربةٌ جذورُها في القدامة، وعنايتهم بلغتهم، واعتزازهم بها، وبمن ملَك قصَبَ السبق فيها فطرةٌ متأصلةٌ معروفةٌ دلالتها فيهم؛ فقد
وجدناهم بحثًا عن نقاء اللغة وفصاحتها يُرسلون أطفالهم ليرضعوا الفصاحة العربية من أثداء البدويات في عُمق الفيافي، ووجدناهم يقيمون الأعراس والولائم للنابغين فيها بلاغة شعريةً أو خطابية.