الصفحة 1567 من 4657

] طلقةً)؛ لأنَّ الطلاقَ (1) السُنِّي هذا، (وإن نوى الكلَّ السَّاعة صحَّت) : أي النِيَّةُ حتى يقعَ الثَّلاث في الحال خلافًا لزُفر (2) - رضي الله عنه -؛ لأنه بدعيّ [ (3) ] ، وهو ضدُّ السُنِّيّ، وعندنا [ (4) ] الثَّلاثُ دفعةً سُنِّيُّ الوقوع (5) : أي وقوعُها مذهبَ أهلِ السُنَّة (6) [ (7)

(1) سقطت من م.

(2) قال محمد وزفر - رضي الله عنهم: لا يطلقها للسنة إلاواحدة. ينظر: (( الهداية ) ) (1: 228) .

(3) قوله: لأنه بدعي؛ حاصلُ دليله أنّ النيّة إنّما تعتبرُ به إذا نوى واحدًا من محتملات اللفظ، وهاهنا ليس كذلك، فإنّ إيقاعَ الطلقاتِ الثلاث مرّة واحدةً بدعي، وخلافُ السنّة، فقد أخرج النسائيّ عن محمود بن لبيد أنّ رجلًا طلّق في عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأته ثلاثًا فغضبَ رسول الله (ص) وقال: (( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) )، فكيف تصحّ نيّته بقوله للسنة.

(4) قوله: وعندنا… الخ؛ إشارةٌ إلى الجوابِ عن دليلِ زفرَ بأنَّ الطلاقَ السنيَّ يحتملُ معينين، أحدهما: أن يكون على الطريقِ المسنونِ المأثورِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وثانيهما أن يكون على وفقِ مذهبِ أهلِ السنّة والجماعة، وإيقاعُ الثلاث دفعة، وإن كان بدعيًّا لكنّه سنّي الوقوع، فإذا نوى لقوله: للسنّة هذا المعنى صحّت نيّته، ووقعَ الثلاث دفعة.

(5) في أ: لوقوع.

(6) وللعلماء كتب كثيرة ألِّفت في الرد على من ادّعى أن طلاق بلفظ الثلاث لا يفع مرّة واحدةً، منها: (( شفاء العليل في الرد على من أنكر وقع الطلقات الثلاث بمرة أو مبرات بدون رجعة بينها ) )، (( لزوم الطلاق الثلاث دفعة بما لا يستطيع للعالم دفعه ) )للشنقيطي، و (( الإشفاق في أحكام الطلاق ) )للكوثري، وغيرها.

(7) قوله: مذهب أهلِ السنّة؛ أي جمهورهم، ولا عبرةَ بمَن خالفهم، وقد وقعَ الخلافُ فيه على ثلاثة أقوال، أحدها إنّه إذا طلَّق ثلاثًا مجتمعًا بطلَ قوله وأثم به، ولا يقعَ به شيء، وهو قول الشيعة الرافضينَ لاتّباع أجلّة الصحابة، المدّعين بأفواههم أنّهم من شيعةِ أهلِ البيت وأنصارهم، واستدلّوا بأنَّ إيقاعَ الثلث دفعةً ممنوعٌ شرعًا، فلا يعتبرُ به، فقد وردَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( مَن عملَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) )، وجوابه أنّ الممنوعَ شرعًا كثيرًا ما يترتّبُ أثره شرعًا، وإن لزمَ به الإثم، ألا ترى إلى أن الظهار مع امرأته قولٌ منكرٌ وزورٌ كما نصّ الله عليه بقوله في كتابه، ثمّ رتب عليه حكمه إذا ارتكبه أحد، وألزمَ عليه أداء الكفّارة على ما فصّله الله في سورة المجادلة، وأيضًا قد ثبتَ في الصحاحِ الستَّة وغيرها أنّ ابن عمرَ طلَّق امرأتَه حالةَ الحيضِ وهو ممنوعٌ شرعًا، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجعة، ولولا وقوعه لم يأمره بالرجعة، إذ لا رجعةَ إلا بعد ترتّب أثر الطلاق، وأمّا حملُ الرجعة في هذا الحديثِ على غير هذا المعنى المتعارف كما أيّده ابن القيّم الحنبليّ في كتابه (( زاد المعاد في هدي خير العباد ) )، وبسطَ فيه الكلام فباطل عند مَن له سعةُ نظر وتأمّل في روايات قصّة ابن عمر، وأيضًا قد ثبتَ في (( صحيح البخاريّ ) )وغيره أنّ ذلك الطلاق الذي فعله ابن عمر حالةَ الحيضِ حسبت تطليقة شرعًا، ولو كان غير معتبر مطلقًا لم يكن كذلك، وبالجملة: ليس كلّ ما هو ممنوعٌ شرعًا باطلًا مطلقًا، حتى يتفرّع فيه عدمُ وقوعِ الثلاث مطلقًا، ومَن ادَّعى ذلك فعليه البيان، القول الثاني: إنّه إذا طلَّق ثلثًا تقعُ واحدةٌ رجعية، وهذا هو المنقول عن بعض الصحابة، وبه قال داود الظاهريّ وأتباعه، وهو أحدُ القولين لمالك ولبعض أصحاب أحمد، وانتصر لهذا المذهب ابن تيمية الحنبليّ في تصانيفه، وتلميذه في كتابه (( زاد المعاد ) )، و (( إغاثة اللهفان ) )وغيرهما، ومَن تبعهما، وبسطوا الكلام فيه، وحجَّتهم ما ورد في (( صحيح مسلم ) )و (( البخاري ) )وغيرهما أنّ الطلاقَ الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، وكذا في عهد أبي بكر، وصدر من خلافة عمر، ثم إنّ عمر أمضاه عليهم، ثمّ افترق القائلون بهذا القول على سبيلين، فمنهم مَن عمّم هذا الحكم الموطؤة وغير الموطؤة، ومنهم مَن خصّه بغير الموطؤة، والقول الثالث: إنّ الثلاث تقعُ بإيقاعه، سواء كانت المرأة مدخولة أو غير، مدخولة وهو قولُ جمهورِ الصحابة والتابعين والأيمة الأربعة وغيرهم من المجتهدين وأتباعهم، فعن عمر أنّه قال في الرجلِ يطلّق امرأته ثلاثًا، قال: هي ثلاث، لا تحلّ له حتى تنكحَ زوجًا غيره، أخرجه سعيد بن منصور، ومثله روي عن عليّ أخرجه البيهقيّ وأبو نعيم، وعن ابن عبّاس وأبي هريرة وابن الزبير وعائشة، أخرجه مالك عن ابن عمر أخرجه مالك، وعن مغيرة بن شعبة أخرجه البيهقيّ، وعن الحسن بن عليّ أخرجه البيهقيّ، وفي الباب آثار كثيرة شاهدة على ما ذكرنا، وأجابوا عن حديث ابن عبّاس بوجوهٍ عديدة أجودها ما ذكره النوويّ وغيره أنّ الناسَ كانوا في العهدِ النبويّ وما بعده يطلّقون بألفاظٍ ثلاثة ويريدونَ بها الواحدة وتأكيدها، فلذلك كانت تجعلُ واحدة، ثمَّ لما تتابعَ الناس على الثلاث واختلفت النيّات، وأشكلَ البناء على النية، حكمَ عمر بإمضاءِ الثلاث ووافقه جمهورُ الصحابة، فليس حكمه مخالفًا للشرع الثابت، ولا هو محمولٌ على مجرَّد السياسة، إذ لا يظنّ بأحدٍ من الصحابةِ فضلًا عن عمر (رض) أنّه يبدّل حكمًا شرعيًّا سياسة، وللتفصيل موضع آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت