] وإلاَّ حدّ.
[فصل في كيفية الحد وإقامته]
وهو للمحصَن [ (1) ] : أي لحرٍّ[ (2)
(1) قوله: للمحصن؛ بفتح الصاد المهملة وبكسرها، قال أبو البقاءِ الكفويّ في (( كليّاته ) ): الإحصان: العفّة، وتحصينُ النفسِ في الوقوع في الحرام، كما في قوله تعالى: {والذين يرمونَ المحصنات} الآية، والتزويجُ كما في قوله تعالى: {فإذا أحصنّ} ، والحريّة كما في قوله تعالى: {نصفُ ما على المحصنات من العذاب} ، والإصابةُ في النكاحِ كما في قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين} ، والمحصنُ من الأحرفِ التي جاءَ الفاعلُ منها على مفعل، بفتح العين، وإن كان قياسُ اسمِ الفاعلِ في باب الأفعال أن يجيءَ بالكسر، واسم المفعول بالفتح، إلا ما شذّ، ومنه المسهب: من أسهب؛ أي أكثر وأطنب في الكلام، والمفلج: من أفلج؛ أي أفلس، والإحصانُ عبارةٌ من اجتماعِ سبعة أشياء: البلوغ، والعقل، والحريّة، والنكاح الصحيح، والدخول، وكون كلّ واحدٍ من الزوجين مثل الآخر في صفةِ الإحصانِ والإسلام، وعند الشافعيّ رح: الإسلامُ ليس بشرطٍ للإحصان، وكذا عند أبي يوسف في رواية، كما في (( كفاية المنتهي ) ).
(2) قوله: أي لحرّ... الخ؛ وجه اشتراطِ الحريّة أنّه لا رجمَ على غيرِ الحرّ، يدلّ عليه قوله تعالى: {فإذا أحصنّ} ؛ أي الإماء، أي تزوّجن، {فإن اتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ؛ أي نصف ما على الحرائر، والعذابُ على الحرائرِ والأحرار على نوعين: أحدهما الجلدُ مائة سوط، وهو المذكور في قوله تعالى في سورة النور: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رافة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} ، وثانيهما: الرجمُ للمحصن وهو المذكور في قوله تعالى في سورةِ الإحزاب إذا زنى الشيخ والشيخوخة فارجموهما التبة نكالا من الله والله عزيز حكيم، وفي رواية زيادة: بما قضيا من اللذة، بعد قوله: البتة، وهذه الآيةُ منسوخةَ التلاوة، كما أخرجه أبو عبيد والحاكم وغيرهما، وأخرج البخاريّ ومالك في (( موطأ ) )، ومن طريقهِ محمّد في (( موطأه ) )عن عمرَ بن الخطَّاب أنّه قال في خطبته في آخرِ حياته: إيّاكم أن تهلكوا عن آيةِ الرجمِ أن يقولَ قائل: لا نجدُ حدّين في كتابِ الله، فقد رجمَ رسولُ الله ورجمنا، وإنّي والذي نفسي بيده لولا أن يقولَ الناس زادَ عمرُ في كتابِ الله لكتبتها: الشيخ والشيخوخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فإنّا قد قرأناها، وروى مالكٌ أيضًا عنه: قال الرجمُ في كتابِ اللهِ حقّ على مَن زنى إذا أحصن من الرجالِ والنساء إذا قامت عليه البيّنة، أو كان الحبل أو الاعتراف، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحلّ دمُ امرأ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانٍ فإنّه يرجم، ورجلٌ خرجَ محاربًا لله ورسوله، فإنّه يقتلُ أو يصلب أو ينفى من الأرض، ورجلٌ قتلَ نفسًا فإنّه يقتل بها ) )، أخرجه أبو داود والترمذيّ وابن ماجه والنسائيّ وغيرهم من طرقٍ مختلفةٍ بألفاظٍ متقاربة، وبالجملة: ثبتَ الرجمُ على المحصنِ بالقرآنِ والأحاديث المتكثّرة وآثار الصحابة، بل وقعَ عليه الإجماع، ومن المعلومِ أنّ الرجمَ ممّا لا يمكنُ تنصيفه، وإنّما القابلُ له هو الجلد، ولذا أجمعوا على أنّ حدَّ العبد والأمةِ خمسونَ سوطًا، فعلم بإشارةِ آيةِ التنصيفِ أنّ الرجمَ مختصٌّ بالأحرار، وأمّا اشتراطُ كونِهِ مكلّفًا؛ أي عاقلًا غير مجنون، بالغًا غير صبيّ، فلأنّ الحدودَ كلّها مرفوعة، بل جميعُ التكاليفِ الشرعيّة عن المجنون والصبيّ لحديث: (( رفعَ القلمُ عن ثلا:ث عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبيّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ ) )، أخرجه الترمذيّ وغيره، وأمّا اشتراطُ الإسلامِ فلحديث: (( مَن أشركَ باللهِ فليس بمحصن ) )، أخرجه اسحق بن راهويه في (( مسنده ) )عن ابن عمرَ - رضي الله عنه - مرفوعًا، أخرجه الدارقطنيّ في (( سننه ) )وقال: الصوابُ إنّه موقوف، وأخرجَ الدارقطنيّ وابن عديّ عن كعب بن مالك أنّه أرادَ أن يتزوّج يهوديّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تتزوّجها فإنّها لا تحصنك ) )وسنده ضعيف، ويعارضه ما أخرجه مالكٌ والشيخان، وأصحابُ السننِ وغيرهم من قصّة إقامةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم حدّ الرجمِ على اليهوديّ واليهوديّة، فإنّه صريحٌ في أنّ الإسلامِ في الإحصانِ ليس بشرط، وقد أجابوا عنه بأجوبةٍ أكثرها ضعيفة، وأحسنها ما نقّحه ابنُ الهمامِ من أنّ هذا الحديثَ دلّ على عدمِ اشتراطِ الإسلام في الإحصان، والحديثُ السابقُ القوليّ دلّ على اشتراطه، والقولُ مقدّم على الفعلِ إلا أنّه موقوفٌ على ثبوتِ القول، مرفوعًا بسندٍ صحيح، وقد بسطتُ الكلام في هذا المرامِ في (( التعليق الممجّد على موطأ محمّد ) )، فليراجع.