الصفحة 2230 من 4657

وعند محمَّد [ (1) ] - رضي الله عنه - إن زنى الحربيُّ لا يحدّ.

(1) قوله: وعند محمّد إن زنى الحربيّ؛ أي بذميّة لا يحدّ لا الزاني ولا المزنيّة، وإن زنى الذميّ بحربيّة حدّ الذمي، وهو قولُ أبي يوسفَ رح أوّلًا، وقوله الآخر هو أنّهم يحدّون جميعًا، ووجهه: إنّ المستأمنَ التزمَ أحكامنا مدّة مقامِه في دارنا في المعاملات، كما أنّ الذميّ التزمها مدَّة عمر، ومن التزمَ أحكامنا تجري عليه العقوبات، فيحدّ الحربيّ والحربيّة أيضًا كالذميّ والذميّة، ولهذا يحدّ الحربيّ المستأمن حدّ القذف، ويقتلُ قصاصًا اتّفاقًا، ولأبي حنيفةَ ومحمّد: إنّ الحربيَّ ما دخلَ دارنا للقرار، بل لحاجةٍ كالتِّجارةِ ونحوها، فلم يصر من أهل دارنا كالذمي، وإنّما التزمَ من الأحكامِ ما يرجعُ إلى تحصيلِ مقصوده، وهو ما يتعلّق بحقوقِ العباد والقصاص، وحدّ القذفِ من حقوقُ العباد، فيؤاخذ به، وأمّا حدّ الزناء فهو من حقوقِ الله تعالى فلا يقامُ عليه، بخلاف الذميّ فإنّه التزمَ القرارَ في دارنا، فصارَ كالمسلم، ثمّ إنّ محمَّدًا يقول: إنّ الأصلَ في بابِ الزنى هو فعلُ الرجل، والمرأةُ تابعة، ولذا يسمّى هو زانيًا وواطئًا، وهي موطؤةٌ ومزنيّة، وتسميتها بالزانية مجاز، كالراضية بمعنى المرضية، ففي صورةِ زنى الحربيّ بالذميّة لمَّا سقطَ الحدّ عن الأصل لما ذكرنا سقطَ عن التبع، ولا كذلك العكس، فإنّ امتناعَ شيءٍ في حقّ التبعِ لا يوجب الامتناعَ في حقّ الأصلّ، فيحدّ الذميّ الزاني بالحربيّة، وإن لم تحدّ الحربيّة لما ذكرنا، والجواب عنه من قبلِ أبي حنيفة: إنّ فعلَ الحربيّ المستأمن بزناء بالضرورة، والتمكينُ من فعلِ هو زناء موجبٌ للحدّ، فلمّا مكَّنت الذميّة نفسها لزناءِ الحربيّ وجبَ عليها الحدّ بالتمكين، وإن لم يحدّ الذمي، هذا توضيحُ ما ذكرَه صاحب (( الهداية ) )في حججهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت