فهرس الكتاب
]: هي عرسُك، وعليه مهرُها [ (1) ] ، ومَحْرَمَةً[ (2)
(1) قوله: وعليه مهرها؛ فإن الوطئ لا يخلو عن وجوبِ حدّ أو لزومِ عقر، وهو مهرُ المثل، فإذا سقطَ الحدّ للشبهةِ لزمَ المهر.
(2) قوله: ومحرمة نكحها؛ عطف على قوله: أجنبيّة؛ أي لا يحدّ مَن وطئ محرمةً من محارمه كالأمّ والخالةِ والأخت، بعدما نكحها، وهذا المسألةُ قد طعنَ بها جمعٌ من الشيعةِ ومن يتشبّه بهم من أهلِ السنة على أبي حنيفةَ رح وشهّر بعضهم: إنّ وطئ المحارمُ ونكاحهنّ حلالٌ عند الحنفيّة، ومنهم مَن قال: إنّه خالفَ فيه الأحاديث الصحيحة، ولا عجبَ من الشيعةِ فإنّهم قد طعنوا من غيرِ مبالاةٍ على أكبر من أبي حنيفة يعني الصحابة، فما بالك بأبي حنيفة، إنّما العجبَ ممّن تشبّه بهم في اللعنِ والطعن، وسلكَ مسلكهم في الهمزِ واللمز، وهم من أهلِ السنّة، بل عدّوا أنفسهم من متّبعي الكتابِ والسنّة، فطعنوا على الإمام الهمام أبي حنيفة رح في هذه المسألة طعنًا تجاوز عن الحدّ، وردّوا عليه بأقبح الردّ من غير فهم مداركه والتأمّل في دلائله، وقد ألّفت في هذهِ المسألةِ رسالةً سمّيتها: (( القول الجازم بسقوطِ الحدّ بنكاح المحارم ) )شيّدت فيها مذهبه بالمعقولِ والمنقول، وأيّدتُ فيها كلامه بالأصول، ودفعتُ تشكيكاتَ المشكّكين على وجهٍ يقصمُ ظهورَ المتعنّتين، وذكرت ما يتعلّق بها من الخلافِ والفروع مع الجوابِ عن المطاعنِ والجروح، فإن شئتَ الاطَّلاعَ فارجعْ إليها، فإنّها نفيسة في بابها، لا نظيرَ لها في أبحاثهًا، ولنذكر نبذًا من المطاعنِ المشهورةِ فيما بين العوامّ مع الجوابِ عنها على ما يرتضيه الأعلام، فاعلم إنَّ من جملةِ مطاعنهم أنّ إسقاطَ الحدّ بوطئ المحارمِ بعد نكاحهنّ مستلزمٌ لحلّ هذا الفعلِ الشنيع، وعدمُ لزومِ إثمٍ وملامة على مرتكبِ هذا القبيح، وهذا طعنٌ باطلٌ عند كلّ فاضل، فإنّ سقوطَ الحدّ أمرٌ آخر، وحلّ الفعلِ أمرٌ آخر، ولا يلزمُ من سقوطِ الحدّ في وطئ حلّه، كيف فإنّ الحدّ يدرأ بالشبهات على ما ثبتَ ذلك بالأخبارِ والآثارِ الثابتة بروايةِ الثقات، ولذا حكمَ أبو حنيفةَ أيضًا في واطئ المحارمِ بعد نكاحهنّ بأنّه يعزَّر، ويوجعُ عقوبةً، كما صرَّح به في (( الهداية ) )وغيرها، ومثلها قولهم: لمّا لم يجب الحدّ بوطئ المحارمِ دلّ ذلك على أنّه لا يجبُ فيه شيءٌ من العقوبة، وهذا قولٌ باطلٌ فإنّ الحدّ ليس عبارةً عن كلّ جزاءِ عقوبة، بل هو عبارةٌ عن عقوبةٍ مقدّرة تجبُ حقًّا لله تعالى، فمعنى قولهم: يسقطُ الحدّ بوطئ كذا وكذا إنّه لا يجبُ عليه الجزاءُ المقدّر للزاني، وهو الرجمُ أو الجلد؛ لعروضِ شبهةٍ أسقطته، لا أنّه لا يجبُ شيءٌ من العقوبة، ألا ترى إلى أنّ شربَ الدمِ وأكل الخنْزيرِ ونحوهما من المحرّماتِ مع كونها أشدّ من الزنى لا حدّ فيها مع وجوبِ التعزيزِ فيها.
ومنها قولهم: إنّ أبا حنيفةَ خالفَ كتابَ الله في هذه المسألةِ فإنّ الكتابَ حكمَ بحرمةِ نكاحِ المحرمات، وحكمَ بوجوبِ الحدود على مَن زنى، وهو طعنٌ مردود؛ لأنّ أبا حنيفةَ لم يقلْ بحلّ وطئ المحارمِ أو بحلّ نكاحهنّ، ولم يقلْ بعدمِ وجوبِ الحدّ على الزاني، حتى يكون مخالفًا لكتابِ الله، بل قال بسقوطِ حدّ الزنى عن واطئ المحارم بعد نكاحهنّ؛ لكونِ النكاحِ شبهةٌ في الحلّ، (( والحدودُ تدرأ بالشبهات ) )، بنصّ النبيّ صلى الله عليه وآله وأصحابه، ومع ذلك قال بوجوبِ التعزيزِ حسبما يراهُ الإمامِ على ذلك المتمرّد الخبيث الذي يطأ محارمه بعد النكاح.
ومنها قولهم: إنّ أبا حنيفةَ خالفَ في هذا البابِ الأحاديث الصريحة، فأخرجَ الحاكمُ وصحّحه من حديثِ ابن عبّاس مرفوعًا: (( مَن وقعَ على ذاتِ محرمٍ فاقتلوه ) )، ومثله رواه الترمذيّ بسندٍ ضعيف، وابن ماجه مع زيادة: (( ومَن وقعَ على بهيمةٍ فاقتلوه واقتلوا البهيمة ) )، وأخرجَ عبد الرزَّاق وابن أبي شيبةَ والحاكمُ وصحّحه، والبيهقيّ عن البراءِ قال: لقيت خالي ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى رجلٍ تزوَّج امرأةَ أبيه من بعده فأمرني أن أضربَ عنقه وآخذ ماله، ومثله أخرجه الطحاويّ وأبو داودَ وغيرهما، والجواب عنه: إنّ القتلَ أو ضربَ العنقِ أو أخذَ المالِ المذكورُ في هذه الرواياتِ ليس حدًّا للزنى، يدل عليه أنّها تدلّ بعمومها وإطلاقها على وجوبِ قتلِ كلّ مَن وقع على محرم، مع أنّ الرجمَ مختصّ بالمحصنِ إجماعًا، وأيضًا وردَ في بعض الروايات القتلُ بتزوَّج ذات محرم، مع أنّ التزوَّج ليس بزنى اتّفاقًا، وأيضًا وردَ في بعضها الأمرُ بأخذ المال، وهو ليس جزاءً للزنى اتّفاقًا، وأيضًا حدّ الزنى إنّما هو الرجم والجلد مع التغريب أو بدونه اتّفاقًا، والقتلُ المأمور به في هذه الأحاديث هو غير الجلد، وهو ظاهر، وغير الرجم لا يكون بضربِ العنقِ وقطع الرأس، وبالجملة: فهذا الذي أمره النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما هو تعزيزٌ وسياسة، وهذا ممّا لا ينكرُه أبو حنيفة، إنّما يقولُ بسقوطِ حدّ الزنى عمَّن نكحَ بمحرم ووطئه إلا بعدمِ وجوب تعزيز عليه، بل يجب عنده على الإمامِ أن يقيمَ على مثل هذا الخبيث تعزيزًا حسبما يراه على حسب تمردّه بأخذِ المالِ أو ضرب العنق أو نحو ذلك.
فإن قلت: الوطئ بالمحارمِ بدونِ النكاح موجبٌ للحدّ اتّفاقًا، فكيف لا يوجبه بعد النكاح، وهو شناعةٌ أخرى.
قلت: هذا ليس بمستبعدٍ عند أربابِ النقل والعقل، فإنّ الوطئ بدون النكاحِ لا شبهة فيه، والنكاح يورث شبهة.
فإن قلت: النكاحُ بالمحارمِ فاسدٌ قطعًا، فكيف يورث شبهة.
قلت: لا استبعاد في ذلك؛ فإنّ الشبهةَ عبارةٌ عمّا يشبهُ الثابت وليس بثابت.
فإن قلت: هذه شبهة ركيكة.
قلت: هب، ولكن حديث: (( ادرؤا الحدودَ بالشبهات ) )لم يفرّق بين شبهةٍ وشبهة، فشبهة كونها منكوحة كافٍ وإن كانت ضعيفة، ونظيره ما روى مالكٌ والشافعيّ وغيرهما: إنّ عمرَ بن الخطَّاب ضربَ الذي نكحَ امرأةً في عدَّتها من طلاقِ زوجها الأوّل، وضربها أيضًا وفرّق بينهما، مع أنّ النكاحَ في العدَّة حرامٌ بنصّ الكتاب، وفاسدٌ شرعًا، لكن لمَّا أورثَ ذلك شبهةً أسقط عمرُ بن الخطّابِ عنهما حدّ الزنى، وضربهما سياسة.
فان قلت: لو كانت الشبهةُ بالعقدِ ثابتةً لوجبت العدّة وثبتَ النسبُ في نكاحِ المحارم.
قلت: منعَ بعضُ أصحابنا عدم وجوبُ العدَّة، وعدمَ ثبوتِ النسب، بناء على أنّ العقد يورث شبهة في حلّ المحل، وفي شبهةِ المحلّ يثبتُ النسب كما ذكره العينيّ وغيره، ولو سلّم عدم وجوبِ العدة وعدم ثبوتِ النسب كما هو رأي بعضُ المشايخ، نقول: مبنى وجوبِ العدّة وثبوتِ النسبِ على ثبوتِ حلّ المحل، ولو من وجه، وهاهنا لا حلّ للمحل؛ أي المحارم أصلًا، والمرادُ بالحلّ أن يكون الواطئ على حالٍ لا يلامُ بالوطئ، وأمّا سقوطُ الحدّ فهو لمجرّد عروضِ شبهة بوجود ما يحلّل الوطئ، وهو النكاحُ الموضوعُ لحلّ الاستمتاع، ولو كانت شبهةً ركيكة، وبهذا يعلمُ أنّ الحدَّ يسقطُ بالنكاحِ مطلقًا، وإن قال: علمتَ أنّه حرام، صرَّح به في (( الهداية ) ).