فهرس الكتاب
أمَّا عندهما [ (1) ] وعند الشَّافِعِيِّ (2) - رضي الله عنهم - في أحدِ قوليه يحدُّ حدَّ الزِّنا؛ لأنَّه في معنى الزِّنا[ (3)
(1) قوله: وعندهما...الخ؛ روى نحوه عن عليّ أنّه رجمَ لوطيًّا؛ أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا والبيهقيّ، ومثله روى عندهم عن الحسنِ البصريّ وإبراهيم النخعيّ، ويشهدُ له من المرفوعِ حديثُ ابن ماجه والحاكم بلفظ: (( مَن عَمِلَ عملَ قومَ لوطٍ فارجموا الفاعل والمفعول به ) )، وهو عند أبي حنيفةَ رح محمولٌ على السياسةِ بدليلِ عدمِ الفصلِ بين المحصنِ وبين غير المحصن، ولو كان الإتيان الدبر زنى بوجب الفصل بينهما، ثمّ عندها: إنّما يحدّ إذا فعل ذلك بالأجانب، فإن أتى في دبرِ عبدِه أو أمته أو زوجته لم يحدّ بل يعزّر.
(2) ينظر: (( التنبيه ) ) (ص148) ، (( المنهاج ) ) (4: 144) ، وغيرهما.
(3) قوله: لأنّه في معنى الزنى؛ أشار به إلى أنَّ وجوبَ الحدّ عندهما في اللواطة، بدلالةِ نصّ وردَ في الزنى لا بالقياس، فاندفعَ ما أوردَ عليهما أنَّ الحدودَ لا تثبت بالقياس، وحاصل كلامهما: إنَّ المعنى الذي يفهم من نصّ وردَ في الزنى قضاءُ الشهوةِ بسفحِ الماءِ في محلٍّ محرّم ومشتهى، وهذا موجودٌ في اللواطة، بل زيادة لأنّها في الحرمة، وسفحُ الماءَ فوقه، فإنّ حرمتها لا تزولُ أبدًا، وفيه تضييعُ الماءِ على وجهٍ لا يخلق منه الولد، والإيرادُ عليه من وجوه:
أحدها: إنّ المعتبرَ في دلالةِ النصّ هو كون المعنى الذي لأجله الحكم بحيثُ يفهمه كلّ مَن يعرفُ اللغة، وما نحنُ فيه ليس كذلك.
وثانيها: إنّا لا نسلِّم أنّ المعنى الذي لأجله وجبَ الحدّ في الزنى، هو ما ذكر، بل هو قضاءُ الشهوةِ في محلّ مشتهى محرّم، مع هلاكِ البشر وإفسادِ الفراش واشتباهِ النسب، وهذا غيرُ موجودٍ في اللواطة، وموجودٌ في الزنى، فإنّ فيه هلاكُ البشر؛ لأنّ ولدَ الزنا هالكٌ حكمًا، وفيه إفسادُ الفراش؛ أي فراش الزوج.
وثالثها: إنّ تضييعَ الماءِ قاصرٌ في الحرمة، فلا يوجبُ الحدّ، ألا ترى أنّه قد يحلّ بالعزل.
ورابعها: إنّ الشهوةَ في الزنى من الطرفين، لميلانِ طبعهما إليه، بخلافِ اللواطة، فإنّ الشهوةَ فيها من جانبِ الفاعلِ فقط، والمفعولُ يمتنعُ عنها بطبعه، على ما هو مقتضى الجبلةِ السليمة، فيكون الزنى أغلبُ وجودًا وأسرعَ حصولًا، فيكون إلى الزاجرِ أحوج.
وخامسها: إنّ حرمةَ اللواطةِ وإن كانت أشدّ من حرمةِ الزنى، ولذا لا تحلّ أبدًا، لكنّها لا تنفعُ في إيجاب الحدّ؛ لأنّ زيادةَ بعضِ أجزاءِ علّة الحكم في شيءٌ مع نقصانٍ في البعض، كالشهوةِ وسفحِ البعض، وانتفاءِ البعض كهلاكِ البشرِ وإفسادِ الفراش، واشتباهُ النسبِ لا يوجبُ ثبوتَ الحكم فيه، ألا ترى إلى أنّ شربَ البولِ فوق شربِ الخمر في الحرمة، مع أنّه لا يوجبُ الحدّ، هذا توضيحُ ما في (( التنقيح ) )وشرحه (( التوضيح ) )، وحاشية (( التلويح ) ).