فهرس الكتاب
أقول[ (1)
(1) قوله: أقول... الخ؛ إيرادٌ على ما علّلوا به الترتيب بوجهين: أحدهما إنّ حدّ القذفِ ثابتٌ بنصّ الكتاب، بخلافِ حدّ الشرب، فإنّه لم يدلّ عليه نصّ، وثانيهما: إنّ حدّ الشربِ قيسَ على حدّ القذفِ كما مرّ ذكره، ومن المعلومِ أنّ ما ثبتَ بالنصّ وهو مقيسٌ عليه أرجح، وأقوى بالنسبة إلى ما لم يدلّ عليه نصّ بل ثبتَ بالقياس، ويردّ عليه من وجوه: أكثرها ممّا خطرَ ببالي في هذا الحين، الأوّل: إنّ حدَ الشربِ أيضًا ثبتَ بالنصّ وهو حديث: (( مَن شربَ الخمر فاجلدوه ) )إلى غير ذلك من الأحاديث على ما مرّ ذكر بعضها، وجوابه من وجهين: أحدهما: إنّ المرادَ بالنصّ نصّ الكتاب، فلا ينافيه ثبوتُ حدّ الشربِ بالحديث، وفيه: ضيف ظاهر؛ فإن قوله: قيسَ صريحٌ في أنّه ثابتٌ بالقياسِ لا نصّ فيه من الكتابِ والسنّة، إذ لا حاجةَ إلى القياسِ بعد ورودِ الكتاب والسنّة، وثانيهما: إنّ المرادَ بحدّ الشربِ هاهنا هو المقدارُ المعيّن، فإنّ ثبوتَ حدّ الشربِ بأصله، وإن كان بالنسبةِ المرفوعةِ لكن تقديره ثبتَ بالقياس، والثاني: إنّ حدّ الشرب لم يثبت بالقياس بل بإجماعِ الصحابة، نعم سند الإجماعِ هو القياس، وقد ثبت في موضعه إنّ الحكمَ يستندُ إلى الإجماعِ لا إلى سنده، والثالث: إنَّ بعدَ تسليم ثبوتِه بالقياسِ لا يخفى إنّ لحدّ الشرب مرجّحات على حدّ القذف منها ما مرّ إنّ حدّ الشرب متيقّن، وسببُ حدّ القذف محتمل.
ومنها: إنّ شاربَ المسكرِ قلّما يخلو من القذف، فيصير كلّ شاربٍ جامعًا بين الشربِ والقذف غالبًا، فتتحقّق من الشاربِ جنايتان، ومن القاذفِ جنايةٌ واحدة.
ومنها: إنّ حدّ الشرب ثابتٌ بالإجماعِ وبالقياس على حدّ القذف، وحدّ الشرب مخالفٌ للقياس.
وبالجملة: فبالنظر إلى هذه المرجّحات حكموا بجعلِ ضربِ حدّ الشرب أشدّ من ضربِ حدّ القذف، على أنّ القذفَ سوى الضرب عقوبة أخرى أيضًا، وهي عدمُ قبولِ شهادة القاذف أبدًا، كما دلّ عليه النصّ، فناسب أن يجعلَ ضربه أخفّ؛ لئلا يلزمَ التغليظُ الشديد، بخلاف حدّ الشرب، فليس للشربِ جزاءٌ سوى الجلد، فناسب تشديده.