الصفحة 2317 من 4657

] مملوك، وهو شرط [ (1) ] )؛ فإنَّ [ (2) ] محلَّ الفعلِ شرطٌ للفعلِ لكونِه خارجًا عنه محتاجًا إليه.

(ونصابُها [(3) ] : قدرُ عشرةِ دراهمَ[ (4)

(1) قوله: وهو شرط؛ أي كون المسروقِ مالًا محرزًا مملوكًا شرطٌ لفعل السّرقة حيث لا تحقّق السّرقة شرعًا إلا به.

(2) قوله: فإن… الخ؛ تعليل لكونه شرطًا، وظاهره أنّ نفس المحلّ شرط، أو يقال: كون المحل موصوفًا بتلك الصّفات شرطٌ كما أشرنا إليه.

وحاصله أنّ محلّ الفعل يكون خارجًا عن الفعل، ويكون الفعلُ محتاجًا إليه، فيكون شرطًا له.

فإن قلت: نفسُ كون الشّيء خارجًا محتاجًا إليه لا يكفي لكونه شرطًا؛ فإنّ هذا القدر يوجد في السّبب أيضًا.

قلت: السّببُ يكون مفضيًا إلى الفعل، ذا تأثير في إيجاده في الجملة، والشّرطُ ما لا يكون مفضيًا، ومن المعلوم أنّ محلّ الفعل لا يكون مفضيًا إليه، فلا يكون إلا شرطًا، ولظهور هذا الأمر لم يذكره الشّارح، فاندفعَ ما أورد عليه بأنّ تعليله يثبتُ أعمّ من المدّعى.

(3) قوله: ونصابها؛ أي المقدار الذي يجبُ القطعُ فيه، وفي ما فوقه، ولا يجب فيما دونه.

(4) قوله: قدر عشرة دراهم؛ أشار به إلى أنّ المعتبر من الفضّة هو عشرة دراهم، ومن غيرها مقدارها، والأصلُ فيه حديث: (( لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم ) )، أخرجه عبد الرزّاق في (( مصنّفه ) )عن ابن مسعودٍ مرفوعًا.

ومثله روى الطّبرانيّ وأحمد في (( مسنده ) )، واسحق بن راهويه، وابن أبي شيبة وغيرهم، وأخرج الطّحاويّ في (( شرح معاني الآثار ) )عن ابن عبّاس، وعبد الله بن عمرو بن العاص: كان قيمة المجنّ الذي قطع فيه رسولُ الله عشرةُ دراهم.

وأخرج عن أيمن قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: (( أدنى ما يقطع فيه السّارق ثمن المجن ) )، قال: وكان يقوم يومئذٍ بدينار.

وأخرج عن أمّ أيمن قالت: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: (( لا تقطعُ يد السّارق إلا في جحفة، وقوّمت على عهد رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم دينارًا أو عشرة دراهم.

ومثله أخرجه النّسائي وأبو داود والحاكم عن ابن عباس، وأخرج النسائيّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان ثمنُ المجنّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم عشرةُ دراهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن رجلٍ من مزنية مرفوعًا: ما بلغَ ثمنُ المجنّ قطعت يدُ صاحبه، وكان ثمنُ المجنّ عشرة دراهم.

وفي الباب أخبار أخر أوردناها في (( التّعليق الممجّد على موطّأ محمّد ) ).

واعترض هنا لوجوه: الأول: إن أخبار التّقدير بعشرة دراهمٍ أسانيدها ضعيفة، فلا ينبغي أن يعتبرَ هنا.

وجوابه: إنّه ليست جميع أسانيد جميعِ هذه الأخبار ضعيفة، مع أنّ الضّعف ينجبرُ بكثرة الطّرق.

الثّاني: إنّ هذه أخبار آحاد، وتقييدُ مطلقُ الكتاب، يعني قوله تعالى: {الساّرق والسارقة فاقطعوا ايديهما} بها، خلافُ الأصول.

وجوابه: إنّ الآيةَ وإن كانت مطلقةً دالّةٌ على وجوب القطعِ في مطلق السّرقة، وبه قالت الظّاهريّة، إلا أنّه قد ثبتَ تقييدها بما تواترَ من الأحاديث، فإنّ الأحاديث الدّالة على أنّه لا يقطعُ في كلّ سرقة، بل له نصابٌ بلغت مبلغَ التّواتر، وإن كان خصوص الأحاديث الواردةِ في التّقديرِ بالعشرة أو بما دونها آحادًا .

بالجملة؛ ليس هاهنا تقييدُ القطع بالظنيّ، ونسخُ الإطلاق القرآنيّ بأخبار آحاد، بل تقييدُ القطع بالقطعيّ، فإنّ القدرَ المشتركَ من الأحاديثِ الدّالّة على التّقييدِ متواتر.

الثّالث: إنّ أخبار التّقدير بالعشرةِ معارضة بما هو أصحّ منها، فقد أخرج مالك والبخاريّ ومسلم وغيرهم، عن ابن عمر رضي الله عنه: (( إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قطع في ثمنِ مجنّ قيمتُهُ ثلاثةُ دراهم ) ).

وأخرج البخاريّ ومسلمُ أيضًا مرفوعًا: (( لا يقطع السّارق إلاّ في ربعِ دينار ) ).

وفي الباب أخبارٌ كثيرةٌ مخرّجة في السُّنن والمسانيد، وبها احتجّ الشّافعيّ رحمه الله، ومالك رحمه الله وغيرهما.

وجوابه: من وجهين: أحدهما: إنّ الأحاديثَ لمّا تعارضت في مقدارِ ما يقطعُ فيه السّارق، أخذنا بالأكثرِ المتيقّن، وتركنا الأقل الغير المتيقّن.

وثانيهما: إنّ أخبار التّقديرِ بالعشرة وإن كان أكثرها ضعيفًا أورثت شبهةً في وجوبِ القطعِ في أقلّ من عشرة، وقد ثبتَ درءُ الحدودِ بالشُّبهاتِ على ما مرّ فدرءنا الحدّ عمّن سرقَ أقلّ من العشرة، وأوجبناه على مَن سرقها أو ما فوقها، وبهذا ظهرَ لك دفعُ ما طعنَ به العوامّ على الحنفيّة من أنّهم تركوا في هذا البابِ العملَ بأحاديثِ الصّحيحيْن، وهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله، وأخذوا بأخبارٍ ضعيفة، فاحفظْ هذا فإنّه ينفعك في الدّينا وفي الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت