الصفحة 2647 من 4657

] يَنْعَقِدُ (1) بِإِيجَاب [ (2) ] وَقَبُولٍ، بِلَفْظَي مَاضٍ[ (3)

(1) في ص: بعقد.

(2) قوله: ينعقدُ بإيجاب وقبول: الانعقادِ عبارةٌ عن انضمامِ كلامِ أحد المتعاقدين إلى الآخر، والإيجابُ: كلام أوَّلِ مَن يتكلّم من المتعاقدين حالَ إنشاء البيع، سمّي بالإيجابِ مبالغةً لكونِهِ موجبًا ومثبتًا للآخرِ خيار القبول، والقبولُ: كلامُ ثاني مَن يتكلَّمُ منهما في تلك الحال، وظاهرُ الكلامِ مشعرٌ بأنَّ الإيجابَ والقبولَ خارجان عن البيع، وآلتان له، مع أنَّ المصنّف - رضي الله عنه - قد صرّح هاهنا بكونهما علّة ماديّة، وفي (( التوضيح ) ) (1: 414) : بأنَّ البيعَ هو المجموعُ المركّبُ من الإيجابِ والقبولِ الموجودين حسًّا. [اهـ] . والمرتبطين ارتباطًا حكميًّا، فالتأويل أنَّ الباءَ في قوله: بمال، بمعنى: من، فلا حاجةَ إلى ما قرَّره أخي جلبي [في (( ذخيرة العقبى ) ) (ص347) ] ، وهاهنا أبحاثٌ لطيفةٌ مودعةٌ في المبسوطات.

(3) قوله: بلفظي ماض؛ ولا بُدَّ أن يكون أحدُهما يدلُّ على الإيجاب: كأعطيتُك وجعلتُ لك هذا بكذا، أو على القَبول: كأجزتُ وأخذت، وإنّما شرطَ المضي فيهما؛ لأنَّ البيعَ إنشاءُ تصرُّف، والإنشاءُ يعرفُ بالشَّرع؛ لأنَّ الواضعَ لم يضعْ له لفظًا خاصًّا، والشَّرعُ استعملَ فيه اللَّفظَ الذي وضعَ للإخبارِ عن الماضي؛ لأنّه يستدعي سبقَ المخبرِ عنه؛ ليكونَ الكلامُ صحيحًا، فكان أوَّل من غيره على تحقّق الوجود، فكان انسبَ بالإنشاءِ المحصل للوجود؛ ولأنَّ الماضي إيجابٌ وقطع، والمستقبلُ عِدَةٌ وأمرٌ وتوكيل؛ فلهذا انعقدَ بالماضي.

فإن قيل: لو قال: خذ هذا بألف، فقبلَ المشتري، انعقدَ البيع؟

أجيب بأنَّ انعقادَهُ ليسَ بلفظ: خذ، بل بالماضي الثَّابتِ اقتضاء؛ لأنّه لمّا أمرَهُ بالأخذِ بألف، وليس له ولايةُ ذلك إلاَّ بالبيع، فصارَ كأنّه قال: بعتك هذا بألفٍ فخذه؛ لذا قال في (( الدراية ) ): ولا ينعقد إن كان أحد اللَّفظينِ مستقبلًا نحو أن يقول البائع: أبيعُك، اشترِ مني، فقال المشتري: اشتريت، أو يقول المشتري: بعني، فقال البائع: بعتُ. كذا في (( الكافي ) ). وفي (( شرح الطحاوي ) ): إذا كان أحدُ اللّفظين مضارعًا إن أرادَ بالمضارعِ الحال فيعتمد، وإن أرادَ به الاستقبالَ والوعدَ لا ينعقدُ. وذكرَ البِرْجَنْدِيُّ ناقلًا عن (( التحفة ) ) (2: 30) : إنّه باللَّفظين الماضيين ينعقدُ بدونِ نيّة الإيجابِ الحالي، وأمّا إذا كان أحدهما بلفظ المستقبل فلا ينعقدُ إلاَّ بنيّة الإيجاب، وقال صاحبُ (( القُنْيَة ) ) (ق146/أ) : هذا الفقه، وهو أنَّ الشَّرعَ جعلَ الإيجابَ والقبولَ علامةَ الرِّضاء، والإخبارُ عن الحال أدّل على الرّضاءِ وقتَ العقدِ من الماضي. [اهـ] . وإن شئتَ التَّحقيقِ فارجع إلى (( البحر الرائق ) ) (5: 285) ، و (( فتح القدير ) ) (5: 456) .

فإن قلت: قد ينعقدُ البيعُ بلفظٍ واحد، كما في بيعِ الأب من طفلِه وشرائه منه، بأن يقول: بعتُ هذا منه بكذا، أو اشتريتُ هذا من ابني، فكيف يصحُّ قول الماتن: ينعقدُ بإيجابٍ وقبولٍ بلفظي ماضٍ ؟

قلت: عبارة الأب؛ لكمال شفقته ووفور محبّته أقيمت مقامَ العبارتين، فلم يَحْتَجْ القَبول، فكان أصيلًا في حقّ نفسه، نائبًا عن طفله حتى إذا بلغَ عليه دون أبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت