الصفحة 3269 من 4657

] في كلِّ حقٍّ، ولا يلزمُ بلا رضا خصمِه): قال بعضُ[ (1)

(1) قوله: قال بعض… الخ؛ يعني أنّه لا شكَّ في أنَّ رضاءَ الخصم يشترطُ في التوكيلِ بالخصومةِ عند الإمامِ إلا أن يكون الموكِّل مريضًا لا يمكنه حضور مجلس الحاكم، أو غائبًا مسيرة سفر، أو مريدًا للسفر كما سيذكره المصنّف - رضي الله عنه -، ولا يشترط عندهما، وهو قول الشافعيّ - رضي الله عنه - أيضًا، فقال بعض مشايخنا - رضي الله عنه: هذا الخلافُ في صحَّة التوكيل، فلا يصحُّ التوكيلُ بدونِ رضاء الخصمِ عند الإمام، ويصحُّ عندهما، وقال البعض: إنَّ الخلاف في اللُّزوم.

ومعناه: إنَّ الوكالةَ هل ترتدُّ بردِّ الخصم أم لا؟ فعند الإمامِ غيرُ لازمة، حتى لا يلزمَ الخصمُ الحضور، والجوابُ بخصومة الوكيل، وعندهما: يلزم ذلك؛ لأنَّ التوكيلَ تصرُّفٌ في خالصِ حقِّ الموكّل، فإنّه وكَّلَ الوكيل بالجواب أو بالخصومة، وكلاهما حقُّ الموكِّل، والظاهر أنّ التصرُّفَ في خالصِ حقِّه لا يتوقِّفُ على رضاءِ غيره، كما أنَّ التوكيلَ بقبضِ الديونِ لا يتوقِّفُ على رضاءِ المديون.

وللإمامِ أنَّ كون التوكيل تصرُّفًا في خالص حقِّه ممنوعٌ؛ لأنَّ الجواب حقٌّ للمدَّعي على المدَّعى عليه؛ ولهذا يستحضرُ المدَّعي الخصمَ في مجلس القاضي، والمستحقُّ للغير لا يكون خالصًا له، وإن سلَّمنا أنّه تصرَّف في خالص حقِّه، فنقول: تصرُّفُ الإنسانِ في خالصِ حقِّه لا يصحِّ إلا إذا لم يتضرَّر به غيره، وهاهنا ليس كذلك؛ لأنَّ الناس يتفاوتون في الخصومة، فإنَّ الإنسانَ قد يصوِّرُ الباطلَ بصورة الحق، وقد لا يمكنُهُ لمشية الحقِّ على وجهه، ويمكن أن يكون للوكيلِ حذقٌ في الخصومات، فيتضرَّرُ بذلك الخصم، فيتوقَّف على رضاه.

كما أنَّ العبدَ المشترك إذا كاتبه أحدُ الشريكين يتخيَّر الآخر، فإنَّ الكتابةَ تتوقَّف على رضاء الآخر، وإن كان تصرُّفًا في خالصِ حقِّه لمكانِ ضررِ شريكه، فيتخيَّرُ بين الإمضاءِ والفسخ، بخلافِ التوكيل بالقبض والإيفاء؛ لأنَّ الحقَّ معلومٌ بقبضه، فلا يحصلُ بالتوكيل بهما ضرر الآخر، وبخلاف المريض والمسافر، فإنَّ الجوابَ غير واجبٍ عليهما، وهو ظاهر، أمّا على المريضِ فبعجزه بالمرض، وأمّا على المسافرِ فلكونه غائبًا، فليس لخصمها حقُّ المطالبةِ بإخصارهما، فلا يكون في التوكيل منهما إسقاط حقِّ المستحقّ عليهما، ذكره الشُّمُنِّيّ [في (( كمال الدراية ) ) (ق507-508) ] ، والعَيْنِيُّ [في (( البناية ) ) (7: 268-271) ] ، وغيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت