الصفحة 3272 من 4657

] لا تعتادُ الخروجَ.

وبإيفائِه، واستيفائِهِ إلاَّ في استيفاءِ حدٍّ وقَوَدٍ بغيبةِ مؤكِّلِه[ (1)

(1) قوله: بغيبةِ موكِّله؛ أي عن المجلس؛ وإنّما قيَّدَ به لأنَّ التوكيل باستيفاء الحدِّ والقصاصِ في حضرة الموكِّل جائزٌ بالاتّفاق، وقالت الثلاثة: يجوز التوكيلُ باستيفاءِ القصاصّ وحدِّ القذفِ فيِ غيبةِ الموكِّل؛ لأنّه حقُّ العبد ويجوزُ استيفاؤه في حضرته، فكذا في غيبتِه.

ولنا: إنّهما يسقطان بالشبهة، وشبهةُ عفوِ الموكِّل الغائبِ متمكِّنة، إذ العفو مندوبٌ إليه قال الله: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237] ، وقال تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] ، وحالُ الغائبِ غير معلومٍ فجاز أن يكون الموكِّل قد عفى، والوكيلُ لا يشعرُ به، بخلاف حضرة الموكِّل، فإنَّ حالَ الحاضرِ معلومٌ بعدمِ العفو، وقد يحتاجُ إلى التوكيل لقلّة هدايته في الاستيفاء؛ ولأنّ قلبَه لا يحتملُ ذلك، وبخلاف الاستيفاءِ في غيبةِ الشهودِ حيث يستوفي الحدود والقصاص مع غيبتهم، وإن كان رجوعُهم محتملًا؛ لأنَّ رجوعَهم نادرٌ، والأصلُ فيهم الصدق، فلا يكون احتمال رجوعهم في الغيبةِ شبهة.

واعلم أنَّ التوكيلَ بإثباتِ الحدِّ والقصاصِ جائز عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فإذا قامت البيِّنة وثبتَ الحقُّ كان للموكِّلُ الاستيفاء، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه: لا يجوزُ التوكيل بإثباتهما، والأظهرُ أنَّ قولَ محمَّد - رضي الله عنه - مع أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وقيل: مع أبي يوسفَ - رضي الله عنه -، وقيل: هذا الاختلافُ في غيبةِ الموكِّل، وأمّا في حضرتِهِ فهو جائزٌ وفاقًا؛ لأنَّ كلَّ كلامٍ يوجدُ من الوكيلِ ينتقلُ إلى موكِّله حالَ حضورِه إذا لم يكن فيه عهدةٌ على الوكيل.

ولأبي يوسفَ - رضي الله عنه - إنَّ المقصود من الإثباتِ الاستيفاء، ولا يصحُّ التوكيلُ باستيفاء الحدِّ والقصاص، فلا يصحُّ بإثباتهما، وإنَّ الوكيلَ بمنْزلةِ البدلِ عن الموكل، ولا مدخل للأبدال في هذا الباب؛ ولهذا لا يثبتُ بالشهادة على الشهادة، وبكتاب القاضي إلى القاضي، وشهادة النساء مع الرجال، وبالإشارةِ من الأخرس؛ لأنّها بدل العبارة.

ولأبي حنيفةَ - رضي الله عنه: إنّ التوكيلَ يتناول ما ليس بحدٍّ ولا قصاص، ولا ما يضاف إليه حدٌّ ولا قصاص، وهو الخصومة، فيصحُّ التوكيلُ به كما في سائرِ الحقوق، وعلى هذا الخلافِ التوكيلُ بالجوابِ من جانبِ من عليه الحدُّ والقصاص، وكلام أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - فيه أبين؛ لأنَّ التوكيلَ وقع هاهنا بدفع دعوى القصاص والحدّ، ودفعُهما يثبتُ مع الشُّبهات، حتى يثبتَ العفو عن القصاص بالشهادة على الشهادة، وبشهادةِ النساء مع الرجال، غير أنّ إقرارَ الوكيل لا يقبل عليه؛ لأنَّ فيه شبهةُ عدمِ الأمر به، ولا يصحُّ التوكيل بإثباتِ حدِّ الزنا وشرب الخمر اتّفاقًا. كذا في (( كمال الدراية ) ) (ق507-508) ، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت