الصفحة 3298 من 4657

(وله حبسُ المبيعِ [(1) ] من آمرِهِ لقبض (2) ثمنِه، وإن لم يدفعْ): بناءً على ما ذَكَرْنا من المبادلةِ الحكمية، (فإن هَلَكَ في يدِهِ[(3)

(1) قوله: وله حبس المبيع… الخ؛ أي للوكيل بالشراء حبس [ما] اشتراه من موكِّله؛ لأن يقبضَ ثمن المبيع، وإن لم يدفع الثمن إلى بائعه لما عرفت من أنَّ المبادلةَ الحكمية تجري بينهما، وقال زفر - رضي الله عنه: ليس له الحبس؛ لأنَّ الوكيلَ نائبٌ عن موكِّله، فتقومُ يدُه مقامَ يدِ الموكِّل، ويكون قبضُهُ قبضَ الموكِّل، ولا يحبسُ المبيعَ بعد القبض؛ لأنَّ المبيعَ أمانةٌ في يده، وليس للأمينِ حبسُ الأمانةِ بدينٍ له على صاحبها.

قلنا: إنَّ الموكِّلَ قد ملكَ المبيعَ بعقدٍ باشرَه الوكيل، ببدل استوجبَه عليه، وهذا معنى البيع فيحبسُه به، كما لو باعه إيّاه حقيقة، وقد تقدَّم أن بينهما مبادلة حكميّة؛ ولهذا يردُّه الموكِّلُ عن الوكيلِ بعيب، ويجري التحالفُ بينهما عند الاختلافِ في الثمن، وهذا من خصائصِ البيع، فكذا هذا، ولا نُسلِّمُ أنَّ قبضَهُ قبضُ الموكِّل، بل قبضُه يجوز أن يكون لإحياء حقِّ نفسه، ويجوز أن يكون بتتميمِ مقصودِ الموكِّل، فيتبيَّن في الآخرةِ بحبسهِ أنَّ القبض كان لحقّه، وبعدم الحبس كان للموكِّل، وقبل ذلك الأمر موقوف، فلا يحكمُ عليه بشيء؛ ولأنَّ هذا القبض لا يمكنُ التحرُّزُ عنه، إذ لا يقدرُ على القبض على وجهٍ لا يصيرُ الموكِّلُ به قابضًا، وما لا يمكن التحرُّزُ عنه يكون عفوًا، فلا يسقطُ به حقُّهُ من غير رضاه، وفي سقوطِه ضررٌ عليه. هكذا قالوا. [ينظر: (( التبيين ) ) (4: 261) ] .

(2) في أ: ليقبض، وفي ج: بقبض.

(3) قوله: فإن هلك في يده… الخ؛ يعني أنّ المشترى إن هلكَ في يد الوكيل قبل أن يحبسَه من موكِّله يهلكُ على مالِ الموكِّل لا الوكيل، ولا يسقط ثمن المبيع عن الموكِّل، فيرجعُ الوكيل عليه؛ لأنَّ يده كيدِ الموكِّل، فإذا لم يحبس يصيرُ الموكِّلُ قابضًا بيده.

وإن هلكَ المشترَى في يدِ الوكيل بعد حبسِه إيَّاه سقطَ الثمنُ عند الطرفين؛ لأنّه بمنْزلة البائع منه، وكان حبسُهُ لاستيفاء الثمن، فيسقطُ بهلاكه، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -، هو كالرَّهن فيكون مضمونًا بالأقلّ من قيمته ومن الدين؛ لأنّه مضمونٌ بالحبسِ للاسستيفاء بعد أن لم يكن مضمونًا به، وهذا هو معنى الرهن بخلاف المبيع؛ لأنَّ البيع ينفسخُ بهلاكه، وهاهنا لا ينفسخُ أصل العقد.

قلنا: إنّ بينهما مبادلةٌ حكميّة، كما بيّناه سابقًا، فيكون معتبرًا بالمبادلة، وهو البيع، ولا نُسَلِّمُ أنَّ العقدَ لا ينفسخُ بل ينفسخُ بينهما، وإن لم ينفسخْ في حقِّ البائع كما لو رضي الوكيلُ بالعيب ولم يرضَ به الموكِّلُ ينفسخ العقدُ بينهما، وإن لم ينفسخْ في حقِّ البائع، والدليلُ على أنّه ليس كالرهنِ أنّه يثبتُ في النصفِ الشائع، والحبسُ بحكمِ الرهنِ لا يثبت فيه، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - يهلكُ بالأقلِّ من قيمتِهِ ومن الثمن، حتى لو كان الثمنُ أكثرَ من قيمته رجعَ الوكيلُ بذلك الفضلِ على موكِّله، وعند زفر - رضي الله عنه - يضمنُ جميعَ قيمته؛ لأنّه ليس له أن يحبسَه عنده، فبالحبس يكون متعدِّيًا كالمودِع الذي يمنعُ الوديعةَ عن صاحبها، وإذا تأمَّلت فيما قرّرناه سابقًا ظهر لك الجوابُ عمّا استدلّ به زفر - رضي الله عنه -. [ينظر: (( البحر ) ) (7: 157) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت