فهرس الكتاب
]: إنَّه أمرَهُ بشراءِ مَنٍّ لا بشراءِ الزِّيادة (1) ، وإنِّما قال: ممِّا يباعُ مَنَّ بدرهم؛ حتَّى لو اشترى لحمًا لا يباعُ مَنٌّ بدرهم، بل بأقلَّ يكونُ الشِّراءُ واقعًا للوكيل؛ لأنَّ الآمرَ أمرَهُ بشراءِ لحمٍ يساوي مَنَّ منه بدرهمٍ لا بأقلّ.
(فإن أمرَه(2) بشراءِ عبدينِ عُينَيْنِ بلا ذِكْرِ ثَمَن، فشرى أحدَهما، أو بشرائهما بألفٍ وقيمتُهُما سواء، فشرى أحدَهما بنصفِه، أو بأقلَّ صحَّ وبالأكثرِ لا، إلاَّ إذا شرى (3) الآخرَ بباقي الثَّمن قبل الخصومةِ): أي إذا أُمِرَ بشراء[ (4)
(1) أي إنَّ الموكِّلَ أمرَ الوكيلَ بشراءٍ مَنّ، وهو قدرٌ مسمَّى، ولم يأمرْه بشراءِ أكثر منه، فينفذُ شراءُ الزيادةِ على الوكيل؛ للمخالفة، وشراءُ مَنٍّ على الموكِّل؛ لأنّه أتى بالمأمورِ بخلاف ما استشهد به. ينظر: (( العناية ) ) (8: 44) .
(2) في ج و ص و ق و ف: أمر.
(3) في أ و ف: اشترى.
(4) قوله: أي إذا أمرَ بشراءٍ… الخ؛ تقريرُ المسألة: إنَّ الموكِّلَ إذا وَكَّل الوكيلَ بشراءِ عبدينِ معيَّنين فلا يخلو: إمّا أن يذكرَ الثمن أو لا.
فإن لم يذكرْ ثمنَها فشرى المأمورُ للآمر أحدَ العبدين فصحَّ هذا الشراء، ويقعُ عن الآمر، سواء اشتراهُ بقيمتِه أو بنقصان؛ لأنَّ التوكيلَ مطلقٌ غيرُ مقيَّدٍ بثمن مقدّر، وقد لا يتَّفقُ الجمع بينهما، فيجوز أن يشتريَ كلُّ واحدٍ منهما بقدرِ قيمتِه من الثمنِ أو أقلَّ أو بزيادة يتغابنُ الناس في مثلِه، وليس له أن يشتريَ بما لا يتغابنُ الناس بمثله، وهو الغبن الفاحش؛ لأنَّ التوكيلَ بالشراء بالمتعارف، والمتعارف فيما لا يتغابنُ الناس فيه؛ فلهذا لا يجوزُ للوكيل أن يشتريَ بغبن فاحش بالإجماع.
ولو ذكرَ ثمنَهما بأن قال: اشترِ لي عبدين بألف، فقيمتُهما سواء، فشرى المأمورُ للآمرِ أحدَهما بنصف ألفٍ أو بأقلَّ من نصفِ الألفِ جازَ الشراء، ووقع عن الآمر؛ لأنّه قابلَ الألف بهذين العبدين، فقيمتُهما سواء، فينقسم بينهما نصفين دلالة، فيكون أمرًا بشراءِ كلِّ واحدٍ بخمسمئةٍ ضرورةً، فالشراءُ بخمسمئةٍ موافقةً، وبأقلَّ منها مخالفةً إلى خير، فيقع عن الآمر، وإن اشترى بأكثرَ من نصف الألفِ لا يقع عن الآمر، ولا يلزمه، بل يقع عن الوكيل قلَّتِ الزيادةُ أو كثرت؛ لأنّه مخالفةٌ إلى شرّ إلاَّ إذا اشترى العبدَ الآخر بباقي الثمنِ قبل الخصومة؛ أي قبل أن يختصمَ الآمرُ المأمور، وهذا استحسان، والقياس أن لا يلزمَ الآمر؛ لثبوتِ المخالفة، وبه أخذ مالكٌ - رضي الله عنه - والشافعي - رضي الله عنه -.
ووجهُ الاستحسان: إنَّ شراءَ العبدِ الأوّل قائمٌ، وغرضُه المصرَّح به وهو تحصيلُ العبدين بألفٍ قد حصل، وما ثبتَ الإنقسام إلا دلالة، والصريحُ فوق الدلالة إذا أمكنَ العمل به، فلا تعتبرُ الدلالةُ مع الصريحِ عند تعارضِهما، وهذا مذهبُ الإمام، وعندهما: إنَّ الوكيلَ إن اشترى أحدَ العبدين بأكثرَ من نصفِ الألفِ ممَّا يتغابنُ النَّاسُ فيه، وقد بقيَ من الألف ما يشتري به العبد الباقي فجاز الشراء، ووقع عن الآمر؛ لأنَّ التوكيلَ حصل مطلقًا، لا تقدير ثمن كلُّ واحدٍ منهما بخمسمئة، والمطلقُ يحمل على المتعارف، وهو الشراء بالقيمةِ أو بزيادةٍ يسيرةٍ قدرَ ما يتغابنُ النَّاسُ فيه، ولكن غرضُهُ تحصيلُ العبدين بالألف، فلا بُدَّ من أن يبقى من الألفِ قدرَ ما يشتري بمثله الباقي؛ ليحصل غرضه. [ينظر: (( التبيين ) ) (4: 266) ] .